عبد الرحيم على ..من عش الدبابير إلى صراع الأفيال!

آخر ماكان يمكن لأحد أن يتوقعه من المتابعين للشأن السياسى فى مصر، أن يصطدم الزميل الصحفى والنائب البرلمانى عبد الرحيم على بأجهزة الأمن، وأن يتم وقف طباعة عدد صحيفة “البوابة” التى يترأس تحريرها، الذى جاء فى صفحته الأولى خبرا عن استجواب قدمه أحد النواب عن هروب وزير الداخلية الأسبق حبيب العادلى من حكم بسجنه 7 سنوات، وتقاعس الداخلية عن القبض عليه، فى نفس الوقت الذى قالت فيه إحدى نائبات المجلس إنها تجمع توقيعات من النواب لإحالة عبد الرحيم للجنة القيم بالبرلمان بسبب اهانته للنواب، على حد تعبيرها، وهو ما يفهم منه أنها الخطوة الأخيرة قبل فصله!

المفاجأة فى هذه الحرب المشتعلة ضد عبد الرحيم، أنه هو شخصيا يعترف وبفخر انه كان يعمل مع أحد الأجهزة الأمنية، وأنه مقتنع تماما بأنه يقوم بعمل وطنى مخلص لصالح مصر، بل إنه فى مقاله الأخير قال أن أحد قادة هذا الجهاز الأمنى قال إن عبد الرحيم يستحق أن يقام له تمثال فى مبنى هذا الجهاز، فهل يعنى ذلك أن نشهد فصلا جديدا من “صراع الأجهزة” على بسط نفوذها، والذى كان قد اندلع مع موجة التسريبات التى حوت العديد من الفضائح، منذ عدة سنوات، وكان عبد الرحيم أحدث جولة من هذا الصراع ؟!

يبدو أن هذا هو الاحتمال الأرجح، لأن عبد الرحيم نفسه نفى منذ يومين التفسيرات التى بررت ما يتعرض له بأنه أحد رجال الفريق أحمد شفيق المرشح المحتمل لانتخابات الرئاسة المقبلة، مؤكدا أنه من أكبر مؤيدى الرئيس عبد الفتاح السيسى، وأنه سينتخبه فى الفترة الثانية لأنه مرشح الضرورة، واصفا من قالوا بأنه يؤيد شفيق ب” الأغبياء”، ومن يتهمونه بالأخونة ب” الذئاب المجروحة ” التى لم يخاف من عوائها طوال تاريخه!

أيا كانت تقديرات عبد الرحيم لنفسه أو للدور الوطنى الذى يرى أنه يلعبه لصالح مصر، فإن ما يحدث له ومعه يثير العديد من القضايا المهمة حول الوضع العام فى مصر، وكيفية إصدار القرارات أو حتى تصفية الحسابات فيها، والتى يأتى فى مقدمتها كيفية هروب العادلى فعلا من فيلته رغم الحراسة التى تحيط به، وعجز الداخلية عن تحديد مكانه والقبض عليه، وهو ما يعنى فى نهاية المطاف إهدار أحكام القضاء أوالاستهانة بها من قبل جهات خفية، أو أن القانون يطبق على الصغير لا الكبير، أو على الأقل عدم كفاءة هذه الجهات فى أدائها لعملها، ولا أريد أن أقول تواطؤها!

ثانيا، عندما توقف الأهرام طباعة عدد جريدة البوابة لأن “جهات معينة” طلبت حذف تقريرهروب العادلى من صدر صفحتها الأولى، فإن هذا يمثل اعتداء مشينا على الدستور وانتهاكا لمادته رقم” 71″ التى تحظر فرض الرقابة على الصحف أو مصادرتها أو وقفها أو إغلاقها، إلا فى زمن الحرب، وهو ما يعنى لي عنق الدستور لفرض قيود غير مقبولة على حرية الصحافة التى تعتبر آخر قيمة وإنجاز تبقى لنا من ثورة يناير!

ثالثا، عندما يختار البرلمان هذا التوقيت الذى تنتهك فيه “جهات معينة” أحكام القضاء ومواد الدستور، لتقضى على البقية الباقية من ظاهرة عبد الرحيم على، ويسير فى إجراءات إسقاط عضويته، بحجة تهكمه على أعضاء البرلمان فى جريدته، فإن هذا البرلمان يضع نفسه موضع الشبهات حول تدخل هذه “الجهات المعينة” فى عمله، أو على أقل تقدير يثبت أنه تنقصه الكياسة السياسية التى كانت تفرض عليه مناقشة حرية الصحافة والاعتداء على الدستور وانتهاك أحكام القضاء، ولا يكتفى فقط بذبح عبد الرحيم!

لا أريد أن أدافع عن عبد الرحيم الذى اكتوى من لدغات الدبابير لينتظره صراع الأفيال، فهو يستطيع الدفاع عن نفسه عبر جريدته وبوابتها الإلكترونية أو تحت قبة البرلمان، كما أننى لا أتعاطف معه بعد أن ارتكب العديد من الأخطاء والخطايا فى برنامجه “الصندوق الأسود” الذى قدمه على إحدى الفضائيات، دون أن يحاسبه أحد، ودون أن تحيله هذه “الجهات المعينة ” للقضاء ..فما ينبغى الدفاع عنه هو احترام أحكام القضاء ومواد الدستور واستقلالية البرلمان وحرية الصحافة والراى والتعبير، والتى تنتهكها “جهات معينة ” لا نعرف لها أصلا ولا فصلا وبدون أن يحاسبها أحد، وكأنها دولة داخل الدولة !!