ضغوط رام الله على غزة تتصاعد.. هل ترضخ حماس لمطالب عباس؟

قرار جديد لحكومة الوفاق الوطنية الفلسطينية بإحالة جميع موظفي وزارة الزراعة التابعين للسلطة في قطاع غزة لتقاعد المبكر الإجباري. الموظفون المحالون للتقاعد وصفوا القرار بالجائر، وهددوا باتخاذ خطوات تصعيدية ضد الحكومة والسلطة الفلسطينية، والبدء في تنظيم تظاهرات ووقفات احتجاجية.

القرار يأتي في إطار سياسة الجذب والشد بين السلطة “رام الله” وحركة حماس “قطاع غزة”، ويبدو أن هدف رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ليس تقليص نفقات الحكومة كما يقول البعض، ولكن قراره يأتي في إطار سياسة عض الأصابع بين أبو مازن وحماس، إذ يسعى عباس لتلجيم نفوذ حماس على قطاع غزة، تمهيدًا لعودتها لكنفه الرئاسي.

ليست هذه هي المرة الأولى التي تقدم فيها السلطة الفلسطينية على اتخاذ إجراءات للضغط على حكومة حماس في قطاع غزة، لكن الإجراء الأخير الذي جاء من مجلس الوزراء الفلسطيني ويقضي بإحالة 449 موظفا إلى التقاعد الإجباري في وزارة الزراعة والذي دخل حيز التنفيذ، وصفه البعض بالجائر وغير مسبوق من قبل السلطة، وقالوا إن هذه الجريمة ليست الأولى التي ترتكب بحق موظفي قطاع غزة، حيث كان هناك سوابق أخرى في التربية والتعليم والصحة وسلطة الطاقة ووزارة المالية وزارة الشؤون الاجتماعية، ويبدو أن السلطة تكرس عملية الانقسام على نحو كارثي وفصل القطاع أكثر عن الضفة الغربية.

في شهر يوليو الماضي، كشفت مصادر فلسطينية مطلعة تفاصيل وأبعاد القرار المتعلق بإحالة نحو 6 آلاف من موظفي قطاع غزة إلى التقاعد المبكر، في قطاعات كالصحة والتعليم وبعض الوزارات الحيوية الأخرى، ويرى خبراء أنَّ الخطوة ستؤدي إلى فراغ في القطاعات الحكومية.

وأشارت المصادر نفسها إلى أنَّ “القيادة الفلسطينية تعمل على إجبار حماس على العودة إلى الشرعية”، وخاصة أنَّ هذه الخطوة المتعلقة بتقاعد الموظفين ستزيد من الأعباء الملقاة على عاتق الحركة.

في المقابل حذر مركز حقوقي من أن إقصاء آلاف الموظفين العموميين، دون الاستناد إلى أية مسوغات قانونية ينذر بانهيار القطاعين، ويهدد بتوقف تقديم الخدمات التعليمية والصحية لأكثر من مليوني فلسطيني هم سكان قطاع غزة.

في هذا السياق، يذكر أن الكيان الصهيوني كان قد وافق على تقليص تزويد قطاع غزة بالكهرباء بنسبة 40%، تماشيا مع قرار رئيس السلطة الفلسطينية بخفض النسبة نفسها في مدفوعات تكلفة الكهرباء الإسرائيلية لغزة، بهدف الضغط على حركة حماس التي تسيطر على القطاع.

ويعتقد مراقبون أن حماس وفتح على وشك دخول مرحلة تاريخية، وأن عباس سيعطي مهلة لحماس، إما بتسليم غزة وترك سيطرتها عليها لحكم السلطة، أو أنه سيوقف جميع المدفوعات لغزة، وبعبارة أخرى إما فك الارتباط تدريجيا مع قطاع غزة، أو أن تتحمل حماس التبعات وحدها.

ليس من المعروف ما إذا كانت مخططات عباس ضد حماس قد أثمرت نتائجها، فقبل ساعات تواردت أنباء عن أن وفد حركة حماس برئاسة، إسماعيل هنية، الذي يزور مصر قد أبلغ المسؤولين المصريين بموافقة الحركة على حل اللجنة الإدارية التي أنشئت مؤخرًا، وتتولى إدارة قطاع غزة، وتشكيل حكومة وحدة وطنية كبادرة لاستئناف حوار المصالحة مع الرئيس الفلسطيني، بحسب ما ذكر مسؤول في الحركة لوكالة فرانس برس، الثلاثاء.

وتعد هذه هي المرة الأولى التي توافق فيها حماس على حل لجنتها الإدارية بهذا الوضوح، وكانت الحركة قد أعلنت في مارس تشكيل “لجنة إدارية” خاصة لشؤون قطاع غزة من 7 أعضاء، وعلى إثرها، اتخذت السلطة الفلسطينية تدابير، بينها إحالة الحكومة الفلسطينية برئاسة، رامي الحمد الله، مطلع يوليو الماضي آلاف من موظفيها في قطاع غزة إلى التقاعد المبكر، والتوقف عن دفع فاتورة الكهرباء التي تؤمنها إسرائيل لتغذية القطاع، وخفض رواتب موظفيها في غزة.

ويرى مراقبون أن حماس تتحمل أيضًا جانبًا كبيرًا من الضغوط التي تمارس عليها، فالحركة تخلت عن جميع أوراق القوة التي كانت تمتلكها، كانقلابها على حليفها السوري والإيراني، بعد أحداث الأزمة السورية 2011، كما أن الحركة لم تعد تحمل رؤية محددة المعالم، فمن جهة حدّثت وثيقتها السياسية التي بدأت تتقارب من خلالها مع مصر ودول الخليج، ومن ناحية أخرى غيّرت من هيكلها الداخلي الذي أوصل صقور حماس كيحيى السنوار، إلى مراكز السلطة السياسية فيها، والمعروف عن صقور حماس (الذين مازالوا يحتفظون بالخيار المقاوم ضد إسرائيل) قربهم من إيران، لكن في المقابل تقاربت الحركة كثيرًا مع صديقها اللدود والنائب الفتحاوي سابقًا، محمد دحلان، وهو المقرب من الأوساط الإسرائيلية والمدعوم إماراتيًا، وبالتالي وقعت حماس في أزمة كبيرة، فتقاربها من دحلان ومصر والإمارات والسعودية والأردن، وتحالفها الأساس مع قطر يحتم عليها تجميد ملف المقاومة ضد إسرائيل، فخيارات هذه الدول تميل إلى خيار التفاوض السياسي، الذي لا طائل منه مع الكيان الصهيوني الغاصب لحقوق بالقوة، وإذا أرادت حماس الرجوع بثقلها لمحور المقاومة فعليها فك ارتباطها مع ما تسمى دول الاعتدال، وهو أمر ستدفع حماس ثمنه أيضًا، وفي نفس الوقت نجد أن الخطاب السوري كأحد محاور المقاومة، قد ألمح إلى أن هناك بعض المقاومات (لم يسمّها) هي مقاومات مزيفة، وهو الأمر الذي قد يعقد من مهمة حماس بالاندماج السريع في محور المقاومة، وهنا على حماس إعادة تعريف هويتها بشكل واضح ودقيق، فأنصاف الخيارات لا تجدي نفعًا في ظل الظروف الدقيقة التي تمر بها الأمة العربية.

تتقلص خيارات حماس أيضًا في ظل الأزمة الخليجية، فالخلاف القطري السعودي سينعكس عليها بلا شك، فالدوحة طالمًا كانت حليفًا لوجستيًا لحماس، ولكن تقارب حماس مع دحلان المدعوم إماراتيًا ومصريًا قد يجعلها في موقف حرج مع قطر، خاصة أن الإمارات ومصر هما من الدول الأربع المقاطعة لقطر.