“صبرا وشاتيلا”.. ذكرى الجرح العربي النازف

في يوم السادس عشر من سبتمبر عام 1982، أقتحم مقاتلي ميلشيا “القوات اللبنانية” و”حزب الكتائب اللبناني” و”جيش لبنان الجنوبي” و”جيش الاحتلال الإسرائيلي” مخيم شاتيلا وحي صبرا، حيث يعيش عشرات الآلالف من اللاجئين الفلسطينين العزل، واستمرت المجزرة لمدة ثلاثة أيام، بدعوى القضاء على الفدائيين الفلسطينين، ونتج عن هذه المجزرة حوالي ثلاثة آلاف شهيد معظمهم من النساء والأطفال.

الحرب الأهلية اللبنانية
تُعد المجزرة واحدة من حلقات “الحرب الأهلية اللبنانية” الممتدة من عامي 1975 إلى عام 1990. بدأت “الحرب الأهلية” عام 1970 بعد احتقان طويل ممتد منذ إنهاء الانتداب الفرنسي على لبنان وسوريا عام 1943، وانتصار دولة الاحتلال الإسرائيلي في حرب 1948، وطرد أعداد كبيرة من الفلسطينين، ذهب كثير منهم إلى لبنان، وقد أسست وكالة الأمم المتحدة للإغاثة عام 1949 مخيم “شاتيلا” جنوب بيروت لإيواء مئات اللاجئين الذين تدفقوا من القرى الفلسطينية.

زادت حدة الاحتقان في لبنان في منتصف خمسينيات القرن الماضي وكادت أن تندلع “الحرب الأهلية” حينها، بسبب كميل شمعون رئيس لبنان المنتمي للطائفة المسيحية المارونية، بعد رفض شمعون قطع العلاقات مع الدول الغربية التي قامت بالعدوان الثلاثي على مصر، فضلًا عن مواقفه الطائفية، واستعانته بالولايات المتحدة لمواجهة التمرد ضده.

في فترة الستنينات وعقب نكسة عام 1967، كانت الصراعات السياسية في لبنان وصلت ذرواتها، في ظل مجتمع معقد على المستوى الطائفي، وفي ظل تفاوت طبقى واقتصادي كبير وسيطرة فئة قليلة على معظم الموارد والثروات اللبنانية خاصة.، وكذلك وجود عدد كبير من اللاجئين الفلسطينين، فضلًا عن التداخلت الخارجية التي سواء من الدول العربية أو من دولة الاحتلال الإسرائيلي أو الدول الغربية الطامعة في السيطرة على لبنان.

في عام 1975 وعقب عدة حوادث من أبرزها محاولة اغتيال الزعيم الماروني بيار الجميل، ثم رد المارنيون بالهجوم على أحد الحافلات وقتل 27 فلسطنين ولبنانين، اندلعت “الحرب الأهلية اللبنانية”، بين كلًا من “الجبهة اللبنانية” التي يسيطر عليها المسيحيون المورانة بقيادة الرئيس اللبناني الأسبق كميل شمعون، ومن جهة أخرى كان هناك “منظمة التحرير الفلسطينية” المتحالفة مع “الحركة الوطنية اللبنانية” بقيادة السياسي الدرزي كمال جنبلاط وتضم عدة أحزاب وتنظيمات يسارية وقومية.

بدايات المجزرة
شهدت “الحرب الأهلية” على مدار سنواتها الخمسة عشر تغير التحالفات ودخول أطراف جديدة في الصراع داخليًا وخارجيًا، وكانت من أبرز الفصائل المتصارعة والتي سوف يتورط عدد كبير منها في مجزرة “صبرا وشاتيلا”: “حزب الكتائب اللبناني” و”القوات اللبنانية” و”حزب الوطنينن الأحرار” وهم ثلاث تنظيمات يمينية مسيحية تنتمي لطائفة المورانة وتقاتل تحت قيادة “الجبهة اللبنانية”، و”جيش لبنان الجنوبي” وهو ميليشيا تأسست عام 1976 من أبناء القرى الجنوبية وبعض الوحدات المنشقة عن الجيش اللبناني ودعمتها إسرائيل، و”حركة أمل” وهى تنظيم شيعي تأسس عام 1974 لمواجهة العدو الصهيوني وكذلك كحركة تدعو للعدالة الاجتماعية، ورفضت الحركة في البداية التورط في الحرب الأهلية، لكن مع احتدام الحرب شاركت وأصبحت أحد الفصائل المتصارعة، بالإضافة للجيش السوري والجيش اللبناني وجيش الاحتلال الإسرائيلي.

في يونيو عام 1982 بدأت إسرائيل غزو لبنان، بترحيب من “جيش لبنان الجنوبي” والميليشيات المارونية التابعة “للجبهة اللبنانية”، وفي غضون أيام قليلة وصل جيش الاحتلال إلى محيط العاصمة اللبنانية بيروت وحاصرها قاطعًا الكهرباء وإمدادات الماء والطعام، وشن الطيران عشرات الغارات على بيروت الغربية لاستهداف الفدائيين الفلسطنين المحصنين فيها، واستمر حصار بيروت لمدة سبعة أسابيع، طالبت خلالها الولايات المتحدة منظمة التحرير الفلسطينية بالخروج من لبنان، وبالفعل توصل فيليب حبيب مبعوث الأمم المتحدة بعد وساطة بين جيش الاحتلال ومنظمة التحرير الفلسطينية إلى اتفاق ينص على خروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان وانسحاب القوات الإسرائيلية ووصول قوات أمريكية وفرنسية وإيطالية للإشراف على خروج مقاتلي منظمة التحرير وتأمين الحماية للمدنيين العزل من الفلسطينين.

يوم المجزرة
في نهاية شهر أغسطس وصلت القوات الدولية، وأشرفت القوات المتعددة الجنسيات على خروج مقاتلي منظمة التحرير الفسلطينية من بيروت بحراً إلى اليونان ومن اليونان إلى سوريا وتونس والأردن والجزائر، ورغم خروج منظمة التحرير من لبنان، لكن إسرائيل ادعت وجود بعض المقاتلين المختبئين في مخيم شاتيلا وحي صبرا على أطراف بيروت، وقام جيش الاحتلال بنقل مئات المقاتلين من ميليشيا “القوات اللبنانية” و”حزب الكتائب” و”جيش لبنان الجنوبي” وتم حصار مخيم شاتيلا وحي صبرا، وفي يوم 16 سبتمبر وعلى مدار ثلاثة أيام، قتل حوالي ثلاثة آلاف شهيد من الفلسطينين معظمهم من النساء والأطفال.