دفتر اليوميات

من العادات اليومية الثابتة فى حياتى، كتابة يومياتى فى دفتر خاص فى المساء قبل أن أذهب للفراش. وهى عادة حميدة بدأتها منذ سنوات طويلة ولم أعد أستطيع التخلى عنها. وقد بدأت فى كتابة يومياتى بشكل عفوى، فقد تزامنت مع أول قصة حب حقيقية فى حياتى فى أواخر التسعينات من القرن الماضى، وأحببت أن أسجل تجربتى العاطفية يوما بيوم، بل لحظة بلحظة، فاشتريت دفتر يوميات وبدأت أسجل فيه تجربتى. وانتهت التجربة بحلوها ومرها، وبقيت العادة وترسخت.

أحيانا أداعب أصدقائى وأقول لهم إن هذه العادة قد توارثتها عن أجدادى الفراعنة، فقد اعتادوا تسجيل غزواتهم العسكرية وانتصاراتهم الباهرة على جدران من الحجر، وأنا أفعل مثلهم بتسجيل غزواتى العاطفية ونجاحاتى المهنية فى دفتر من الورق. وقد أفادتنى تلك العادة الجميلة فى وضع كتابى “دفتر الغضب: يوميات شخص عادى شارك فى الثورة”، والذى سجلت فيه تجربتى فى ثورة 25 يناير.

إن الاحتفاظ بدفتر يوميات يعتبر واحدا من أفضل مبادرات النمو الشخصى التى قد يقوم بها المرء على الإطلاق، فتدوين خبراتنا اليومية إلى جانب الدروس التى نستخلصها منها، يجعلنا أكثر حكمة مع مرور كل يوم، ونقع فى أخطاء أقل. والاحتفاظ بدفتر يوميات يساعدنا على إيضاح مقاصدنا حتى يبقى تركيزنا على الأمور المهمة بحق.

أهمية التركيز على الأمور المهمة تجعلنى أتذكر قصة المدرس الذى دخل الفصل وقد أحضر معه إناء زجاجيا شفافا، ثم وقف أمام التلاميذ وراح يملأ الإناء بقطع صغيرة من الصخور، ثم سأل التلاميذ: “هل امتلأ الإناء؟”، فأجابوه: “نعم، امتلأ بالطبع”، حيث كان من الواضح أنه لم يعد هناك فراغ لإضافة المزيد من الصخور. ثم أخذ المدرس مجموعة من الحصى الأصغر فى الحجم، وألقى بها فى الإناء فاستقرت فى الفجوات بين الصخور، ثم أعاد السؤال ثانية على التلاميذ: “هل امتلأ الإناء؟”، فكانت الإجابة: “نعم، هكذا امتلأ”. ثم أخذ المدرس حقيبة أصغر من الرمال وسكبها فى الإناء، فإذا بحبات الرمال تملأ الفراغات الصغيرة ما بين الصخور والحصى، وللمرة الثالثة سأل التلاميذ: “هل امتلأ الآن؟”. وأخيرا، اتفق المدرس مع التلاميذ أن الإناء قد امتلأ بالفعل، ثم استطرد فى توضيح أن هذا الإناء مثل “الحياة” التى نعيشها، إذا بدأنا فى ملئه بالرمال (تفاصيل الحياة الصغيرة)، فلن يكون هناك مكان متاح للحصى (موضوعات الحياة المهمة)، وإذا امتلأ الإناء بالحصى أولا، فلن يكون هناك مكان للصخور (الأهداف والأولويات الأكثر أهمية). أى أن الحياة لن تمضى بصورة جيدة إلا إذا قمنا فى البداية بتحديد أهدافنا وأولوياتنا، ثم تنظيم كل شىء آخر حولها.

والكتابة فى دفتر يوميات يقدم لنا الفرصة لأن نركز على أولوياتنا ونحظى بمحادثة منفردة مع أنفسنا. إنه يجبرنا على القيام ببعض التفكير العميق فى عالم أصبح فيه التفكير العميق شيئا من الماضى. يجعلنا أيضا نفكر بطريقة أكثر وضوحا، ويساعدنا على أن نحيا بطريقة أكثر استنارة. بالإضافة لذلك، فالكتابة توفر لنا مكانا ملموسا يمكننا أن نسجل فيه أفكارنا حول الأمور المهمة فى حياتنا، وندون إستراتيجيات النجاح الرئيسية لنا، ونلتزم بكل تلك الأشياء لكى نصل إلى حياة مهنية وشخصية جيدة. ودفتر يومياتنا الشخصى يمنحنا مساحة خاصة لتدريب خيالنا ونتعرف على أحلامنا.

دفتر اليوميات ليس مفكرة، حيث أن المفكرة هى المكان الذى تدون فيه الأحداث بينما دفتر اليوميات هو المكان الذى نحلل فيه الأحداث ونقيمها. الاحتفاظ بدفتر يوميات يشجعنا على التفكير بما نقوم به، وما لم نقم به، وما الذى تعلمناه من كل ما قمنا به. والكتابة فى دفتر اليوميات يعزز النمو الشخصى والحكمة من خلال منحنا مساحة لدراسة ماضينا، ثم الانتفاع به لنجاح أكبر فى المستقبل. حتى إن الباحثين وجدوا أن الكتابة فى دفتر خاص لمدة قصيرة، كخمسة عشر دقيقة مثلا، بإمكانه أن يحسن صحتنا وأداء جهازنا المناعى وتوجهنا الفكرى العام. يجب أن نتذكر دائما، إذا كانت حياتنا تستحق التفكير بها فهى تستحق الكتابة عنها.

قرأت مرة قولا منسوبا إلى نحات مشهور، غالبا الفنان الإيطالى مايكل أنجلو، مؤداه أنه كان يفرح فرحا عظيما عندما يصادف كتلة كبيرة من الحجر من النوع الذى يستخدمه فى صنع تماثيله، إذ كان بمجرد أن يراه يتصور التمثال الذى يمكن أن يستخرجه منها. كان يتصور كتلة الحجر وكأنها تحتوى فى أحشائها على هذا التمثال الكامن فى خياله، وأن كل المطلوب منه هو أن يقتطع بمعوله قطعة صغيرة من الحجر بعد أخرى، من هذه الكتلة الكبيرة، ويلقى بها جانبا لكى يخرج هذا التمثال الرائع الكامن فى جوفها. لو كان هذا التصور يعبر عن الحقيقة لكان معناه أن النحات لا يصنع شيئا فى الحقيقة، بل هو فقط يستبعد بعض الأشياء، لا يضيف شيئا إلى الأشياء الموجودة بالفعل، بل يستغنى عن غير الضرورى منها ويستبقى فقط ما يستحق البقاء.

إن حياة كل منا تشبه قطعة الحجر فى هذا التصور. لا نحتاج إلى البحث عن تبرير لتسجيلها، إذ إن تمثالا جميلا يكمن فى حياة كل منا والمطلوب فقط هو الكشف عنه. لا نحتاج أن نكون شخصيات عظيمة أو مشهورة لكى نسجل حياتنا. فكل منا شخص متميز، بل ومتميز جدا، ولديه فى مسيرة حياته ما يستحق أن يروى.