أشرف منصور: مشروعات الفلسفة العربية الحديثة متوازية مع القديمة

ــ فلاسفة الإسلام كانو يكتبون لأوروبا

ــ فلسفة اسبينوزا كانت امتدادا لفكر ابن رشد

 

حاورت نافذة الوعي الدكتور أشرف منصور أستاذ الفلسفة الحديثة بجامعة الإسكندرية بشأن الفلسفة العربية، كيف تطورت؟ وكيف أدت دورها في إحداث نقلة نوعية للعقل الإنساني استفاد منه بعد ذلك العقل الأوروبي ولا يزال؟، الدكتور أشرف منصور له العديد من الكتابات التي تبحث في الفلسفة العربية-الإسلامية وأثرها على الفكر الغربي مثل: كتاب “العقل والوحي منهج التأويل بين ابن رشد و موسى بن ميمون وسبينوزا”.

ــ هل من الممكن أن تتفضل بتقديم رؤية بانورامية موجزة لأبرز مدارس الفلسفة العربية الإسلامية؟ ولماذا التركيز على الفيلسوف الأندلسي ابن رشد؟

تتوزع الفلسفة العربية – الإسلامية على عدد من التيارات، وبعض هذه التيارات يشكل مدارس. الفرق بين التيار والمدرسة، أن التيار هو ما يتميز باتجاه فكري معين يضم إليه العديد من الفلاسفة الذين يمكن أن يكونوا مختلفين؛ فعلى سبيل المثال، التيار المشائي في الفلسفة الإسلامية يضم مدرستين، المدرسة التوفيقية صاحبة مشروع الجمع بين رأي الحكيمين (أفلاطون وأرسطو)، والفارابي أبرزهم، وإليه ينضم ابن سينا؛ وسعت هذه المدرسة إلى ضم فلسفة أرسطو في رؤية مثالية للوجود أصلها أفلاطوني وأفلوطيني محدث؛ والمدرسة المشائية الخالصة أو الأرسطية الراديكالية التي عملت على تخليص فلسفة أرسطو من التأويلات الأفلاطونية والأفلاطونية المحدثة، وإلى هذه المدرسة ينتمي ابن رشد، وقبل ابن رشد يمكننا اعتبار يحيى بن عدي وقسطا بن لوقا من مناصري هذا التوجه.

كما أن الفلاسفة المسيحيين قد أسهموا بدور فاعل ومؤثر في الفلسفة التي نطلق عليها نحن الإسلامية، ولذلك فإنني أفضل تعبير الفلسفة العربية – الإسلامية، لأن علامة الشَرطة بينهما (-) مهمة، فهي تنبه على أن في داخل هذه الفلسفة فلاسفة عرب أو كتبوا بالعربية وليسوا مسلمين. وإلى جانب التيار المشائي نجد تياراً عرفانياً غنوصياً أبرز أعلامه: السهروردي والشيرازي والمدارس التي تفرعت منهما.

ــ غالبا ما تشير في دراساتك المختلفة إلى الدور البارز للفلسفة العربية الإسلامية في نهضة الفكر الغربي، فهل من الممكن أن تشرح لنا هذا الدور في إيجاز؟

إنني أعتقد في عدم وجود فواصل حاسمة وحادة بين عصور الفلسفة المختلفة، بل هناك اتصال قوي، وتاريخ الفلسفة خط واحد متصل. ومن هذه الجهة فإن الفلسفة الغربية تمثل استمراراً واستكمالاً للفلسفة العربية – الإسلامية، لا بكل تياراتها بالطبع، بل بتيار معين فيها وهو التيار المشائي، لأنه كان التيار العقلاني الخالص والطبيعي الراديكالي الذي أفاد أوروبا في نهضتها، والفصل الحاد بين الفلسفة العربية – الإسلامية والفلسفة الغربية هو المسؤول عن ندرة الدراسات المتناولة لهذه الاستمرارية التاريخية بينهما، بل إن الأمر يتجاوز الاستمرار التاريخي ويصل إلى ظهور مدارس فلسفية غربية ذات أصل مشائي عربي- إسلامي في أوروبا في أواخر العصور الوسطى وعصر النهضة، مثل السينوية اللاتينية، والرشدية اللاتينية والرشدية اليهودية، ورِشدية عصر النهضة.

والذي جعل هذه التيارات تؤثر في الفلسفة الغربية، أن أوروبا في نهضتها كانت في حاجة إلى العناصر العقلانية والطبيعية والتنويرية التي انتشرت في فلسفات الفارابي وابن سينا وابن باجة وابن طفيل وابن رشد، فقد أفادهم الفارابي من خلال شروحه على منطق أرسطو، وأفادهم ابن سينا في منظومته الطبية وفي الصيغة الجديدة التي وضع فيها ميتافيزيقا أرسطو، وما أقام عليها من تعديلات، وأفادهم ابن باجة في الأخلاق العقلية والاتجاه الإنسانوي الذي ظهر في “تدبير المتوحد”، وأفادهم ابن طفيل بنزعته العقلانية والطبيعية التي ظهرت في “حي بن يقظان”، وأفادهم ابن رشد بنزعته الأرسطية الراديكالية التي وضعت العقل محكاً ومعياراً أوحد للحقيقة.

لقد كانت أوروبا في أواخر العصور الوسطى وعصر النهضة وأوائل عصر الحداثة هي البيئة المناسبة لاستقبال هذه الأفكار والاستفادة منها، في حين أنها ماتت في بلادها. وكثيراً ما أشعر أن فلاسفة الإسلام كانوا يكتبون لأوروبا، لا للعالم الإسلامي، لأن أثرهم الحقيقي واستمرار أفكارهم كان في أوروبا، لا في ديار الإسلام، وأكاد أتعجب من كيفية ظهور هذه القامات الفلسفية العالية في العالم الإسلامي، في ظل كراهية المسلمين للفلسفة والفلاسفة، والاضطهاد والتنكيل الذي تعرضوا له دوماً؛ لقد كانوا أبطالاً بحق، ومناضلين ثوريين بمقاييس عصرهم ومجتمعهم.

ـــ توصلت في دراساتك إلى تأثر الفيلسوف الغربي الكبير باروخ سبينوزا بالفيلسوف العربي المسلم ابن رشد، فهل من الممكن أن تسلط الضوء على شكل هذا التأثر ومداه؟

لقد خصصت لهذا الموضوع الكثير من الدراسات، كتاب “العقل والوحي: منهج التأويل بين ابن رشد وموسى بن ميمون وسبينوزا”، إلى جانب ستة دراسات أخرى سوف تظهر في كتاب تحت الطبع عنوانه “ابن رشد في مرايا الفلسفة الغربية الحديثة”.

إنني أنظر إلى سبينوزا على أنه استمرار لفكر ابن رشد، وإعادة إنتاج له، وذلك بتوسط الرشدية اليهودية التي ازدهرت بين القرنين الثالث عشر والسادس عشر. وهو استمرار لابن رشد من عدة جهات، إذ يعتقد سبينوزا في ضرورة فصل اللاهوت عن الفلسفة، وهو ما يوازي فصل ابن رشد الشريعة عن الحكمة، كما يؤمن بضرورة التأويل المجازي للنص الديني إذا تعارض مع العقل، وبأن هذا النص الديني مكتوب بلغة يفهمها العامة وحسب مستواها في التفكير، وهدفه إيصال مفهوم الألوهية بأيسر الطرق الممكنة لفهم العامة، والاثنان يضعان العقل حكماً أوحد في كل الأمور بما فيها الأمور الدينية، ويثقان في القدرة اللامحدودة للعقل، والاثنان ينطلقان من نزعة طبيعية، تصل إلى المادية عند سبينوزا، فالطبيعة هي كل ما هنالك، وإذا كان هناك دور للمجردات في الطبيعة، فهي ليست مفارقة، والاثنان يعتقدان في الارتباط القوي بين النفس والبدن، فالكيان الإنساني عندهما وحدة واحدة، والنفس تموت بموت البدن، وإذا كان هناك خلود من أي نوع، فسوف يكون خلوداً عقلياً للنفس الكلية لا للنفوس الجزئية؛ والنفس الإنسانية مرتبطة بطريقة ما بالكيان المنظم للكون، سواء كان هذا الكيان يسمى العقل الفعال عند ابن رشد، أو الإله أو الجوهر عند سبينوزا.

النقاط التي يشترك فيها سبينوزا وابن رشد كثيرة جدا، لا يكفي الحوار لحصرها، لكنها في العموم تشير إلى أثر قوي لابن رشد في سبينوزا، يصل كما قلت إلى حد يمكننا من اعتبار فلسفة سبينوزا إعادة إنتاج للرشدية.

ـ هل ترى إمكانية لإحياء الفلسفة العربية؟ وما هي أنسب المشروعات الفلسفية العربية قدرة على إحياء العقل العربي ونهضته؟

الحقيقة أن الفلسفة العربية موجودة، وذلك في صورة مشاريع فلسفية لمفكرين عرب، أذكر من المعاصرين منهم: زكي نجيب محمود، أركون، الجابري، الطيب تيزيني، حسن حنفي، نصر أبوزيد، عبد الجواد ياسين، هاشم صالح، مراد وهبة، عبد الله العروي، فؤاد زكريا، وغيرهم الكثير والكثير. هذه هي الأسماء الشهيرة جدا، وهناك إسهامات كثيرة أخرى للمشتغلين بالفلسفة لا تقل إبداعاً. صحيح أن هذه المشاريع انصبت على إعادة قراءة وتأويل التراث الديني والفلسفي، ولم تدخل بعد في مجال الفكر الخالص الذي يميز مفكري الغرب، إلا أنها تكشف عن رؤى وأبعاد فلسفية عميقة.

إن الساحة الثقافية العربية لم تخل أبداً من الإسهامات الفلسفية الرصينة. وأعتقد أن أنسب المشروعات الفلسفية العربية قدرة على إحياء العقل العربي، هي تلك المشاريع التي تعلي من شأن العقل والفكر الحر، وتفك قيوده التي تكبله بالتراث الديني، والانفكاك من التراث الديني في بلادنا لا يأتي إلا بالاشتباك النقدي مع هذا التراث نفسه، للتحرر منه، وهذا هو السبب في أن أغلب المشاريع الفلسفية العربية كانت عبارة عن اشتباك مع هذا التراث.

والحقيقة أن هذا هو ما له الأولوية الآن عن الإسهامات الفلسفية المجردة المنتمية للفكر الكوني العام والتي نراها منتشرة في الغرب. إن مجتمعاتنا لم تقطع بعد مع ماضيها الظلامي، بل إن هذا الماضي الظلامي لا يزال يعيش بيننا، ولذلك فإن أي إسهام فلسفي عربي عليه أن يتعامل مع هذا الوضع، لا مع الفكر الكوني الخالص.

ــ هل الإحياء إن أمكن ونجح يكون سيتسم بذات ملامح وسمات المشروعات العربية القديمة؟

ربما، لا أعرف على وجه الدقة، إن المشروعات العربية القديمة كانت ملتزمة بما فهمته على أنه هو الفلسفة، أي أعمال أفلاطون وأرسطو وما نتج عنهما من منظومات فكرية عديدة. لقد كانت الفلسفة العربية الإسلامية استمراراً متصلاً للفلسفة اليونانية، ولم تقطع معها بالكامل، ومن هذه الجهة كان إبداعها وإسهامها التاريخي، ومن جهة أخرى كانت هذه المشاريع محاطة بثقافة دينية وبدين عالمي، فكان عليها أن تضم هذا الدين مع الفلسفة في رؤية أكثر شمولاً للكون والإنسان، وهي رؤية قامت على عقلنة الدين، ومحاولات التوفيق بين الفلسفة والدين أو العقل والوحي.

ولا تزال المشاريع الفلسفية العربية معتمدة على الجهاز النظري والمفاهيمي والأدوات التحليلية والمناهج الفكرية الغربية، تماماً كما كان الفلاسفة العرب معتمدين على الفلسفة اليونانية، فمن هذه الجهة تظل المشاريع الفلسفية العربية المعاصرة متشابهة مع مثيلتها القديمة.

لم تكن القطيعة مع التراث الديني من بين مهام المشاريع الفلسفية العربية القديمة، بل إن راديكالية بعض الفلاسفة المسلمين كانت مقتصرة على ضم الدين نفسه مع الفلسفة في رؤية أكثر شمولاً وعقلانية للكون، ولا يزال هذا هو طموح المشاريع الفلسفية العربية، وطالما ظل هذا الطموح قائماً، فسوف تظل المشاريع المعاصرة متوازية مع المشاريع القديمة.