“حرامية” الوزير في الكويت

في قرانا بصعيد مصر يقولون “اللي يقول لمراته يا عورة الناس تلعب بيها الكورة”، وقديما قال العرب “من هانت عليه نفسه فهو على غيره أهون”، والشاهد أن من لا يحترمه أهله فلن يقدره أحد، ومن يرخص نفسه فلن يكون له ثمن أبدا.
الأسبوع الماضي، أجرت صحيفة أخبار اليوم حوارا مع وزير التعليم الدكتور طارق شوقي، وصف فيه نصف العاملين في وزارته بأنهم “حرامية”، وقال: أستنكر المدرس الذي لا يهمه سوى زيادة راتبه ويعلو صوته مع أنه غير كفء، أنا لست في حاجة إليه، ونصف الوزارة حرامية، والنصف الثاني حرامي ومش كفء أيضا”.
لم يكتف الوزير بذلك بل أبدى رغبته في إبعاد أكثر من مليون مدرس وفصلهم من الوزارة بقوله: “إن ميزانية الوزارة كلها 80 مليار جنيه منها 70 مليار جنيه مكافآت ومرتبات لأناس لست في حاجة إليهم”، مضيفا: “أنا عندي مليون و700 ألف واحد ولا أحتاج منهم سوى 20% فقط ولو جلس الباقون كلهم في منازلهم فلن يؤثروا عليّ في أي شيء، أنا أدفع لهم مرتبات وكأنني فاتحها معونة اجتماعية”.
ولأن الحوار مسجل، ولأن إدراة تحرير الجريدة حذفت أجزاء أخرى من الحوار كان نشرها كفيلا بإقالة الوزير، بحسب زميلنا الصحفي المخضرم رفعت فياض، الذي أجرى الحوار، فلم يستطع الوزير نفي اتهاماته لمعلمي مصر لكنه اكتفى بتوضيح قال فيه: “لا أعتقد أنني مازلت محتاجا لتوضيح تقديري للمعلمين، وقناعتي بأنهم الخط الأول لأي إصلاح لمنظومة التعليم، يؤسفني جدا أن أرى كل هذه المحاولات لهدم كل ما نبنيه رغم أننا فعلنا الكثير للمنظومة وبالأخص للسادة المعلمين”.
لا يعلم سيادة الوزير كيف أهانت تصريحاته معلمي مصر.. لا أقصد المدرسين العاملين داخل المدارس التابعة لوزارة معاليه، لكني أقصد المعلمين المصريين العاملين في الخليج العربي والذين يمرون بأزمات غير مسبوقة خاصة في دولة الكويت التي ضيقت حكومتها ماديا على الوافدين لدرجة أن عددا كبيرا منهم عاد إلى مصر رغم عدم انتهاء عقودهم.
بعد تصريحات الوزير بيومين نشرت جريدة السياسة الكويتية مقالا تحت عنوان “المدرسون الحرامية”، طلب كاتبه من وزير التعليم الكويتي محمد الفارس، طرد المعلمين المصريين وإلغاء التعاقدات المبرمة مع الحكومة المصرية لهم في بلاده، ومطالبة المسؤولين في الكويت بمحاسبة “الفارس” عن تلك التعاقدات مع المعلمين “الغير مؤهلين والذين يحصلون على رواتب خيالية”.
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل أرجع الكاتب في مقاله، أسباب مشكلات وتدهور التعليم في الكويت إلى اعتماده على “معلمين حرامية وغير أكفاء في تربية وتعليم النشء ببلاده”، مشيرا إلى أن الاتهام للمعلمين المصريين جاء من داخل البيت التربوي المصري، ومن قياداته وهم الأكثر دراية ببواطن الخلل في وزاراتهم، خاتما مقاله بأن ما قاله وزير التربية المصري كان ضربة معلم وفي الصميم.
تصريحات شوقي أعطت ذريعة للكاتب الكويتي وغيره ليحرضوا على طرد المعلمين المصريين الذين يعانون الأمرين بعد أن خفضت الكويت مخصصات بدل السكن ورفعت رسوم الخدمات الصحية على الوافدين عشرات أضعاف ما كانوا يدفعونه منذ بداية أغسطس الماضي، وهو ما دفع نفرا قليلا منهم لإقامة دعاوى قضائية ضد الحكومة الكويتية للمطالبة بتنفيذ ما جاء في بنود العقود التي أبرموها قبل تسلمهم أعمالهم قبل سنوات.
كسب بعض المعلمين المصريين في الكويت الدعاوى المقامة أمام المحاكم الكويتية، إلا أن الحكومة هناك رفضت تنفيذها، فلجأ أحدهم إلى إقامة دعوى قضائية أمام محكمة حقوق الإنسان في المحكمة الدولية بجنيف، فقامت الدنيا ولم تقعد وتم ترحيل الشاكي، وتهديد كل من يجرؤ على مقاضاة الحكومة الكويتية بالترحيل، ضمن حملة منظمة شارك فيه ساسة ونواب كوايتة وصفوا فيها الوافدين بـ”المستوطنين” الواجب طردهم.
لم يهن المصري على الكوايتة أو على غيرهم إلا بعد هوانه في مصر، ولم تجرؤ حكومات الخليج على معايرة المصريين بفقرهم إلا بعد أن تعمدت السلطة المصرية إذلالهم وإهدار كرامتهم على الهواء مباشرة “احنا فقرا قوي”.