جورنيكا

إذا كان الفنان الأسبانى بابلو بيكاسو يعتبر أشهر وأهم فنانى القرن العشرين، فإن لوحته “جورنيكا” تعتبر أهم أعماله الفنية من رسم ونحت وخزف وغير ذلك، كما تعتبر “جورنيكا” أهم لوحة فنية فى القرن العشرين عند أغلبية نقاد الفن وجمهوره.

وجورنيكا هو اسم لقرية صغيرة فى إقليم الباسك الأسبانى، تعرضت فى 24 أبريل من سنة 1937 لهجوم وحشى بطائرات سلاح الجو الألمانى أثناء الحرب الأهلية الأسبانية. وقد راح ضحية المذبحة أكثر من 1660 شخصا، وعددا من الجرحى يصل إلى 900 شخص. وقد ترك السكان بيوتهم وهى تحترق بألسنة اللهب، وتم تدمير ميدان السوق بالكامل.

وكانت الحرب الأهلية الأسبانية الملتهبة تلفت انتباه المثقفين فى العالم كله، لأنها كانت حربا يشنها فصيل من الجيش (حزب الفالانج) ضد الحكومة الجمهورية المنتخبة ديمقراطيا، وكان القائد العسكرى المنشق على الحكومة هو الجنرال فرانكو (1892- 1975). وقد استمرت هذه الحرب من سنة 1936 إلى سنة 1939، واستقطبت نخبة من المبدعين فى العالم الغربى، فناصر الجمهوريين الكاتب الروائى الإنجليزى جراهام جرين، والروائى الأمريكى أرنست هيمنجواى، وعدد من الكتاب والمثقفين الفرنسيين، بينما كان حزب الفالانج بزعامة الجنرال فرانكو يتلقى الدعم والتأييد من الحكومة الإيطالية الفاشستية بزعامة بنيتو موسولينى، ومن الحكومة الألمانية النازية بزعامة أدولف هتلر.

ملأت أنباء الحادثة موجات الأثير وتقارير المراسلين والصفحات الأولى للصحف فى العالم، وفجرت فى حينها ردود فعل شديدة فى العالم مستنكرة ومنددة بما حدث، من خلال الوقفات والمظاهرات والمسيرات الاحتجاجية، ووصلت أخبار المذبحة إلى باريس حيث كان يقيم بيكاسو.

كان بيكاسو يفكر فى إنجاز عمل فنى يجسد فظائع الحرب الأهلية الإسبانية وما جرته من موت ودمار، لكن حالة الاضطراب والتشتت النفسى التى كان يعيشها نتيجة ذلك كانت تمنعه من تحقيق تلك الرغبة. وقد ارتعد بيكاسو لهذا الهجوم الشرس، ووفرت له الحادثة فرصة مواتية لتحقيق ما كان قد فكر فيه مرارا، مع أنه كان يكره السياسة وينفر من فكرة توظيف الفن لأغراض سياسية. واستحضر بيكاسو كل مشاعره لتصوير اللوحة، وقد رسم 45 اسكتشا ودراسة قبل أن يبدأ لوحته الخالدة.

ونشط بيكاسو متأثرا بالأحداث ليرسم اللوحة لتكون فى الجناح الأسبانى فى معرض باريس سنة 1937، فأنجزها بسرعة قياسية هى ثلاثة أسابيع. رسمها على القماش بمساحة قدرها سبعة أمتار ونصف المتر فى ارتفاع قدره ثلاثة أمتار ونصف، فاعتبر النقاد أن بيكاسو قد رسم اللوحة بسرعة مدهشة.

تتكون اللوحة من ثلاثة مقاطع، مقطعان طوليان فى الجانبين، يتوسطهما مقطع عريض فى الوسط. فى يسار اللوحة، نجد رأس ثور تحمله قوائم مستقيمة ثابتة على الأرض، وتحته مباشرة امرأة تحمل ابنها القتيل. تحت المرأة نجد ذراع فارس قتيل تبرز أصابع يده غليظة منتفخة. رأس الثور والمرأة ووليدها القتيل وذراع الفارس، لونها أبيض. جسد الثور وحده ملون بالأسود، درجتين من الأسود، قوائمه أكثر سوادا من جسده، أما ذيله الأشبه بشعلة نار فلونه أبيض.

فى يمين اللوحة، نجد امرأة تستغيث، تسقط على الأرجح، ترفع يديها عاليا باتجاه طاقة مربعة صغيرة. وفى الأسفل، بمستوى الفارس القتيل وذراعه الممتدة، ساق وقدم يزحفان فى اتجاه مركز اللوحة، أصابع القدم غليظة، كأصابع يد الفارس القتيل فى الناحية الأخرى، وركبة الساق عبارة عن كتلة مثلثة منتفخة.

فى يمين المقطع العريض الأوسط نجد وجهان لامرأتين مندفعتين. المرأة الأعلى وجه مندفع باتجاه المركز، مجرد وجه لا جسم له، أقرب فى شكله إلى قطرة ماء كبيرة، يعلو الوجه ذراع فى الاتجاه نفسه، تحمل فى يدها مصباحا، تقبض عليه بقوة. تحت الوجه نجد المرأة التى يظهر قدمها وساقها فى مقطع اللوحة الأيمن يزحفان. يعلو هذا المقطع مصباح كهربائى له شكل العين، يحيط به ما يشبه أشعة الشمس تحت هذا المصباح نجد رأس حصان يلتفت يسارا، فمه مفتوح واسع، يكشف عن أسنانه، ولسان أشبه برأس حربة صغير، وفى جسده رمح نافذ يشقه، تنكسر إحدى قوائمه، يوشك أن يسقط. وتحت القائم المكسور نجد الذراع الثانية للفارس القتيل، مفصولة عن جسده، تمسك اليد بنصل مكسور ووردة صغيرة.

وفى خلفية اللوحة مربعات ومثلثات ذات زوايا حادة، بيضاء وسوداء ورمادية، أبرزها مثلث كبير، هرمى الشكل تبدأ قمته من المصباح الكهربائى، ويمتد ضلعاه حتى أسفل اللوحة، يشمل المرأة الراكضة ويبقى أصابع قدمها المنتفخة وساقها وركبتها خارجة من الناحية اليمنى. ويشمل من الناحية اليسرى رأس الفارس القتيل، ويبقى ذراعه ويده المتورمة خارجها. ذلك المحور الهرمى البنائى أعطى ثباتا للتكوين ورصانة واستقرار.

واللوحة بلا شك وليدة الفهم التكعيبى مضافا إليه معنى رمزى تعبيرى، فهى تكعيبية من ناحية البناء، لكنها فى نفس الوقت تعبيرية؛ لأن رأس الثور، ورأس الحصان، ورأس الأم الثكلى، والرأس الجريحة الملقاة على الأرض، والأيدى الممزقة، كل هذه إنما تمثل مظاهر تعبيرية وصل إليها بيكاسو بعد عمليات بحث عميقة. أما من الناحية الرمزية، فكل شكل يشير إلى معنى: الثور يرمز لوحشية النازى وقواه المخربة التى لا يحكم فيها عقلا أو قيما أخلاقية أو إنسانية، والحصان يرمز إلى القرية أو أسبانيا الجريحة التى تتألم وتصرخ وتتفتت من آثار هذا الهجوم الوحشى، أما الرأس التى تصيح والذراع الذى يحمل المصباح فيشيران إلى الضمير البشرى الذى يلقى ضوءا على هذه المأساة ليلومها ويندبها، بل ويدعو الإنسان إلى التأمل فى أدواته التخريبية التى تحطم الحضارة وما بناه عبر العصور.

وتلعب الدرجات المتدرجة من الأسود ومشتقاته والبنى الداكن دورا هاما فى إعطاء البعد النفسى للمأساة الصريحة الحقيقية الواضحة بعيدا عن أى لون أو زخرفة، أنها مأساة البشر فى كل العصور تجاه القوى الغاشمة فنرى الأشلاء والصراخ والعويل والقتل والمقاومة المستميتة بأسلوب تعبيرى مشحون بقوة رمزية هائلة تدين الإرهاب بكل صورة.

وقد قوضت لوحة “جورنيكا” الآراء المعارضة للفن الحديث، من أنه يعمل لمتعة الفنان ذاته وليس له تأثير اجتماعى، فعلى النقيض من هذا القول، تأتى هذه اللوحة لتبين أن الفنان التشكيلى له رأى فى المدينة الحديثة، وفى الحروب، وفى علاقات البشر بصورة تخلد فكره ووجدانه، وبذلك أصبحت لوحة “جورنيكا” رمز نضال الشعوب ضد القوى الغاشمة المستبدة، فى دراما إنسانية تخطت مفهوم الحدث العسكرى زمانيا ومكانيا، لتصبح معبرة عن الواقع المأسوى الدرامى لإنسان العصر الحديث.

وتصدرت اللوحة الجناح الأسبانى فى معرض باريس فى يوليو 1937، ولكنها لم تلفت أنظار النقاد آنذاك، ولعلها لم تكن منسجمة مع موضوع المعرض وهو التكنولوجيا الحديثة وما أضفته على الحياة من المتعة. فأى متعة كانت فى لوحة بيكاسو المأسوية فى أوروبا التى لم يكن أحد فيها يتوقع الحرب بعد أو يريد نسيان احتمالاتها المروعة.

انتهى المعرض وأعيدت اللوحة إلى بيكاسو، ثم قفزت إلى الأضواء حين خصصت مجلة “كراسات الفن” الشهيرة عددين من أعدادها للوحة وحدها. وكانت الحرب الأهلية الأسبانية قد انتهت بانتصار الديكتاتورية فى مارس 1939، ونذر الحرب العالمية التى ستندلع فى سبتمبر 1939 قد زكمت الأنوف برائحة النيران المتوقعة. وكانت لوحة “جورنيكا” قد وصلت إلى الولايات المتحدة لتعرض شهورا فى سائر المدن والولايات فبقيت هناك اثنتين وأربعين سنة.

كانت الحرب العالمية قد اندلعت واجتاحت الجيوش الألمانية فرنسا، واحتلت باريس فبقيت اللوحة فى أمريكا. وكانت لوحات بيكاسو أغلى اللوحات فى العالم، ولكن بيكاسو لم يعرض لوحته للبيع على المتاحف، وإنما وهبها لمتحف المتروبوليتان بنيويورك ليعرضها حتى تعود الديمقراطية والحريات العامة إلى أسبانيا، وعندئذ تعود اللوحة إلى مدريد ملكا للشعب.

وفى سنة 1973 توفى بيكاسو عن اثنين وتسعين عاما، ثم توفى الديكتاتور فرانكو فى سنة 1975، وبعد حين تحققت الديمقراطية فى أسبانيا فطلبت الحكومة من متحف المتروبوليتان عودة لوحة “جورنيكا” تنفيذا لوصية الفنان. بالطبع مثل هذه اللوحة لا يمكن أن يفرط فيها المتحف الأمريكى بسهولة. فلجأت الحكومة الأسبانية إلى القضاء الأمريكى، لتثبت أن شرط الفنان لعودة لوحته إلى أسبانيا قد تحقق، وأن الديمقراطية والحريات العامة التى تصورها الفنان قد تحققت.

أثبت المحامون عن الحكومة الأسبانية أن شرط هبة بيكاسو قد تحقق ونالوا حكما من المحكمة الأمريكية بنقل اللوحة إلى أسبانيا. عملية النقل لم تكن سهلة أيضا، فدارت المفاوضات بين الجانب الأسبانى وشركات النقل وشركات التأمين عن أسلم وسيلة للشحن والنقل ومبلغ التأمين. ووضعوا اللوحة فى إطار خاص واجهته من الزجاج غير القابل للكسر، وجرى تأجير طائرة خاصة للنقل، وعزز موكبها الحرس، وودعها جمهور كبير ببعض الدموع للإحساس بالفراق.

ولكن أسبانيا كانت تنتظر اللوحة بمزيد من الطقوس، فقد استقبلتها استقبالا رسميا وشعبيا واصطف لها الحرس فى المطار، ونقلتها سيارة شحن مكشوفة وهى خلف لوح من الزجاج، وقد تجمع الجمهور فى الطريق وصفق لمرور اللوحة من المطار إلى متحف برادو للفن. واللوحة معروضة حاليا فى متحف مركز الملكة صوفيا الوطنى للفنون فى مدريد.