توقف ماكينات التفكير

اللحظة التى بدأ فيها الغرب ينهض ويتقدم ويسبقنا فى طريق الحضارة، ليست لحظة أن أخترع يوهانس جوتنبرج المطبعة سنة 1454، وليست لحظة أن أكتشف كريستوفر كولمبوس الأرض الجديدة سنة 1492، وإنما اللحظة التى قام فيها الراهب الألمانى مارتن لوثر بتعليق احتجاجه ضد التعاليم الفاسدة للكنيسة، وضد صكوك الغفران، على باب كنيسته فى إحدى ليالى شتاء سنة 1517.

فى تلك اللحظة بدأ الغرب ينهض ويتقدم، بدأ يثور على قيود العصور المظلمة ويبحث عن إشعاعات النور، بدأ يفحص مسلماته ومعتقداته القديمة ويفرزها، ليبقى على الصالح منها ويستبعد الباطل والفاسد.

نحن أيضا فى حاجة لمثل تلك اللحظة، حتى ننهض ونبدأ فى شق طريقنا إلى التغيير الحقيقى وليس التغيير المزيف. نحن أشبه بمصنع نسيج على وشك الإفلاس، منتجاته فقدت جودتها ولم تعد تستطيع منافسة منتجات المصانع الأخرى الأحدث، فاجتمع مجلس إدارة المصنع لبحث المشكلة والوصول إلى حل، فكر أحدهم فى إعادة تدريب العمال ورفع كفاءتهم، وفكر آخر فى استيراد خامات جديدة، وفكر ثالث فى تغيير نوعية المنتجات، وفكروا أيضا فى كتابة أغانى تمجد فى تاريخ المصنع وعظمة العمال لتحفزهم على العمل والإنتاج، بل فكروا فى لحظة ثورية نادرة فى تغيير رئيس مجلس الإدارة نفسه، ولكن لم يفكر واحد منهم فى أن المشكلة قد تكون فى آلات النسيج (ماكينات التفكير)، تلك الآلات العتيقة البالية التى لم يتم صيانتها وتغييرها منذ عشرات السنين، أو فى الواقع منذ مئات السنين.

إننا كثقافة إسلامية منتجة، أوقفنا ماكينات التفكير وأهملناها، وأسدلنا الستار على أنفسنا وعلى إنتاجنا الحضارى منذ القرن الخامس عشر الميلادى، وذلك بمجئ الأتراك العثمانيين الذى أدخلنا قرون الظلام، وهى ثلاثة قرون فى العدد. فى تلك الفترة اقتصر علماء الأزهر وغيرهم فى دمشق وبغداد على اجترار الفتات الموروث من الماضى، يدرسون الكتب القديمة ويهمشون ويلخصون. أما أن يضيف أحدهم رأيا جديدا، موقفا جديدا، فلا أظن أن هذا قد حدث قط، ولا أعتقد أن أحد يمكنه أن يزعم ذلك.

وفتحت الأبواب من جديد بمجئ الحملة الفرنسية ومعها عنصران هما غاية فى الأهمية: عدد من العلماء، ومطبعة عربية. هذه إذن البداية، إذ حدث انفتاح على الثقافة الغربية. وفى عصر محمد على أرسلت البعثات إلى فرنسا وسواها من البلدان الأوروبية، وترجمت أعمال أدبية وغير أدبية دالة على الفكر الغربى والنظم الغربية. وأنشأنا مدرسة الهندسة ومدرسة الطب ومدرسة الألسن، وأنشأنا أيضا مدرسة الفنون والصنائع، وكان ذلك قبل 180 عاما، وبدأنا تأسيس الجامعات.

ومع ذلك فكل الذى حدث هو أننا درسنا النتاج العلمى والفكرى الغربى ورفضنا أن نأخذ المنهج، بل جئنا بالمنهج من القرون الثلاثة المظلمة. وهذا يعنى أننا أخذنا العلم الغربى مضطرين وبنصف قلب، أو حتى بلا قلب على الاطلاق، واحتفظنا لأنفسنا بخط الرجعة دائما. فنحن ندرس ما ندرسه فى المدارس والجامعات ونعود إلى بيوتنا لنخلع رداء الدرس ونلبس رداء العربى التقليدى. وحدثت الازدواجية البغيضة فى حياتنا وفكرنا، نقبل الثمرة ونشتريها، بل نشترى الثقافة الغربية بأموال طائلة، لكننا فى حياتنا الخاصة نرفض الثقافة، وفى أعماقنا نكره نمط الحياة الأوروبية ومن شاء منا أن يعيشها فهو يعيشها سرا وفى الخفاء، بعيدا عن الأنظار، وهكذا تفشت فينا تلك الازدواجية البغيضة.

ولكن إنصافا للعقل العربى، نقول إن استيعاب الحضارة الغربية شكلا ومضمونا، وتشغيل ماكينات التفكير ثانية، ليس بالأمر المحال أو المستعصى علينا. فتاريخنا القديم يقول ذلك، وواقعنا الحديث والمعاصر نفسه أفرز بعض الأفراد من أعلامنا الأفذاذ الذين جسدوا فى أشخاصهم هذه الصيغة المطلوبة، كان منهم الشيخ رفاعة الطهطاوى، والإمام محمد عبده، والدكتور طه حسين، والشيخ مصطفى عبد الرازق، والأخير بوجه خاص يمثل هذه الصيغة التوفيقية خير تمثيل، فهو عربى مسلم حتى النخاع، لكنه قبل الثقافة الغربية وتفاعل معها تفاعلا تاما. غير إنها صيغة انحصرت فى عدد قليل من الرواد، بحيث لم تمثل رؤية عربية عامة، فالجماهير العربية لا تقبلها ولا تستسيغها، إذ تتلقى المعرفة ممن ليست لديهم الرؤية عينها، مع أن الدليل التاريخى يقدم لنا أقوى حجة على قدرة العقل العربى على هضم الثقافتين معا: ثقافة الشرق الأصيلة، وثقافة الغرب الوافدة.