المراغي.. لا سلطان على شيخ الأزهر

تثير مواقف شيوخ الأزهر وعلماءه الكثير من الحيرة والتعجب، فمنهم من أفتى بجواز رضاعة الكبير، وهناك من أفتى بتكفير العديد من الكتاب والمفكرين مثل فرج فودة ونجيب محفوظ في الوقت الذي يقدم منهم صورة إنسانية للإسلام وعلومه؛ مما يوحى بأن تلك المؤسسة الدينية العريقة منها من ينتمي قلبا وقالبا إلى العصور الوسطى في الزمن الذي يتزايد إيقاعه سرعة يوما بعد يوم، ومنها من يجاري ايقاع العصر وروحه.

محمد عبده والمراغي وتأسيس التحديث

يشهد الأزهر معارك عديدة من أجل تطويره وتحديثه مؤسسيا منذ النصف الأول من القرن العشرين، على يد الشيخ محمد عبده الذي خشى كثيرا على الدين من جهل أصحاب العمائم وبعد وفاة الامام محمد عبده استئنف التجديد تلامذة الشيخ محمد عبده الذين حملوا خط الاصلاح، يطالبون بدخول العلوم الحديثة في المناهج الدراسية وارسال البعثات الأزهرية إلى الخارج، وغيرها من السياسات التي تستهدف أن يصبح الأزهر جامعة عصرية بمعنى الكلمة.

قاد تلك المعارك واحد من أكثر تلامذة عبده قربا وهو الشيخ محمد مصطفى المراغي؛ حيث تتلمذ على يد الشيخ محمد عبده، ونال الشهادة العالمية من الازهر سنة 1904، ثم عمل قاضيا في السودان، وبعد مسار وظيفي جليل تولى مشيخة الأزهر في 1928، ولكنه استقال بعد 14 شهرا من عمله لرفض الملك فؤاد مشروعه لاصلاح الأزهر فتعيين الشيخ كان عليه خلاف بين رفض الملك فؤاد له وتمسك النحاس رئيس الوزراء به.

إصلاحات المراغي وتعسف الملك

كان الامام المراغي من أسس إصلاحه أن تنظم مناهج الأزهر ويضاف لها العلوم الحديثة الرياضية والطبيعية لتكون على مثال مناهج المدارس المدنية، وأن تصلح كتب الأزهر، وتشذب مما حشيت به من الخلافات اللفظية التي لا جدوى من دراستها حتى يخفف العبء على الطلبة، وحتى تساير هذه الكتب نظريات التربية الحديثة فيتسنى لقارئيها أن يشاركوا في بناء نهضة بلادهم، وأن يفهموا الحياة على حقيقها، وأنها ليست فحسب تلك المتون والحواشي والتقارير التي خطت على الصفحات الصفر؛ بل هي عالم واسع المدى بعيد الحدود. استعان الشيخ المراغي بمجموعة من رجال الأزهر لتدريس العلوم الطبيعية والرياضية ورفض الملك فؤاد مشروع اصلاح الأزهر بعدما شعر بخطورة هذا المشروع على هيمنته وسيادته على الأزهر؛ فالعقل الواعي المنطقي المندمج في الحياة والذي سيعي مشكلات الواقع والسياسة أكثر ما يثير ذعر الحاكم. وبعد استقالة الشيخ المراغي بسبب هذا الرفض تولى الشيخ الظواهري مشيخة الأزهر وسط شماتة أعداء المراغي ذو المزاج الرجعي وتمادى العداء ضد اتجاه الشيخ مراغي الاصلاحي فأقال الشيخ الظواهري الشيوخ الذين درسوا العلوم الطبيعية والرياضية بحجة أنهم لا يعملون ؛ ولتبدأ صفحة جديدة مجيدة في معركة الاصلاح داخل الأزهر تتوج بتعيين الشيخ محمد مصطفى عبد المنعم المراغي شيخا للأزهر ومعه كامل الصلاحيات لتفعيل مشروع اصلاح الأزهر وتجديده كما يرى

مغامرات المراغي مع علماء الأزهر

يجب الإشارة لبعض الأفكار التي كانت رائجة حينها في الأزهر حيث يذكر أحد طلبة الأزهر أنه سمع من أحد الشيوخ المحافظين يتحدث مع أخر بصوت خفيض يقول:”والله لقد سمعت ممن أثق بخبره والعهدة عليه أن الشيخ المراغي يمشط شعره!” فصرخ الصديق :”يا شيخ!قل كلاما غير ذلك!”

يقول السيد أبو النجا أحد تلامذة الشيخ :”أن تعيين المراغي كان حدثا كبيرا. فلم تكن لحية الشيخ طويلة بما فيه الكفاية. وإنما كانت مقصوصة تكاد تبرز من الذقن. وكان لا يلبس الفرجية على عادة كبار العلماء، وإنما يلبس ككولة. وكان نعله حذاء مفتوحا برباط ولم يكن مركوبا أصيلا”

وسرعان ما تبدأ معركة بعد أن تنتهي أخرى، فالمراغي يأمر بإدخال الكهرباء للأزهر وسط اعتراض العلماء، وحرم النوم والطبخ فيه ،وفصل الأورقة عن المسجد فسد أبوابها من الداخل وفتحها من الشارع، وأدخل النظام إلى التعليم الأزهر، فأنشأ فصولا بمقاعد خشبية للتلاميذ، وطلب من الشيوخ الجلوس على مرتفعات أمام المناضد فما كان من الشيوخ إلا أن خلعوا الأحذية وتربعوا عليها!، كما غير شيخ الأزهر من ترتيب الحصص المدرسية بحيث تبدأ أحيانا بالحساب والطبيعة ويليها الفقه مما صدم كثيرون من العلماء والطلبة.

بين ملك وحاشية تعارض اصلاح الأزهر خوفا على نصير قوي يحتاج له الملك وقت الفوران والانتفاضات الوطنية، فيشتري الملك ولاء طلبة الأزهر بالجراية غير عابيء بتحديث العقول ؛ فقيادة ملايين العقول الخاوية أسهل من المئات الواعية وداخل الأزهر هناك من العلماء من يداهن السلطة، ويرفض الإصلاحات التي تفتح أبواب العصر الحديث أمام الأزهر بحجة أن الإسلام هو ما وجدوا عليه آبائهم، ومن زاوية أخرى هناك من يقلل من مدى فعالية تلك الإصلاحات باعتبارها إصلاحات برانية مثل التحديث الذي خضعت له مصر منذ محمد علي، فما معنى إضافة كلية أو إقرار مقرر جديد على الطلاب ما دام الذهنية الأزهرية نفسها لم تتغير ويسيطر عليها النصوص التراثية القديمة دون تقديم اجتهاد صادق يكون ندا لتراث المسلمين الذي لا يزال المسلمون يأخذون عنه؟.