«الكنز».. مزج الماضي بالحاضر

اصطحب المخرج شريف عرفة المشاهد في فيلم الكنز.. الحقيقة والخيال”، إلى بعيد في رحلة مدتها 3 ساعات عبر الأزمنة والعصور، انطلقت من العصر الفرعوني حيث الآله والقصر الملكي والكهنة والمعابد والعامة، مرورًا بالعصر العثماني والمدن الواقعة تحت قبضة الوالي العثماني، مستعرضًا أحوال مصر القديمة ودمشق والمباني العثمانية وسياسة الضرائب واستعباد الشعوب وقسوة الظلم والفقر، وصولًا إلى النصف الأول من القرن العشرين وعهد الملك فاروق وفساد القصر الملكي وجبروت البوليس السياسي.

رؤية شاملة ذات أبعاد تاريخية وفلسفية ونفسية، جسدت أهمية الفيلم كونه يناقش تطورات قضايا أزلية لم يعف عليها الزمن وإن تبدلت الأقوام والنخب، وتمركزها حول بؤرة السلطة وصراعاتها عبر استغلال النفوذ والقوة وإخضاع الدين من خلال حملة معارفه، ما يترتب عليه انتشار الفساد والظلم والفقر وتفاقم المعاناة على المستويات كافة، ليزهو “الكنز” بطابعه التاريخي المتنوع وعمق الرسائل وحرفية التنفيذ، كواحد من أهم الأعمال السينمائية في السنوات الأخيرة.

حرفية عبرت عنها دقة ومهارة المخرج المخضرم شريف عرفة بالاشتراك مع مبدع النص المحكم الكاتب عبد الرحيم كمال، في دمج ثلاثة عصور والربط بينهم عبر ثلاث شخصيات لهم تأصيل تاريخي منفرد؛ “حتشبسوت” و”علي الزيبق” و”بشر الكتاتني”، يكملون بعضهم داخل سياق حكي الأحداث وسرد تفاصيلها، من خلال حبكة متماسكة لم يصيبها تشتت أو خروج عن سياق القصة الرئيسية، إذ بدأت أحداث “الكنز” من زمن قريب بالاعتماد على تقنية “فلاش باك” للتغلب على عقبة استرجاع الأزمنة المختلفة والتنقل بيها في تسلسل منطقي داخل الفيلم بسلاسة يستوعبها المشاهدون بمختلف تنوعاتهم، عن طريق تسجيلات فيديو وبرديات وسيرة ذاتية تركهم “بشر الكتاتني” ويجسده الفنان محمد سعد، لنجله “حسن” أحمد حاتم، الذي يدرس علم المصريات في أوروبا وفقًا لرغبة والده، الذي يروي لابنه اليافع عبر هذا الإرث وقائع ويفك ألغاز في رحلة “الكنز” عبر العصور.

وعبر لقطات بانورامية استعراضية، يتنقل شريف عرفة بين العصور، من خلال “بشر الكتاتني” الشخصية المحورية التي كلفها المخرج بمهمة الراوي، كونه الوسيط بين الأجيال السابقة واللاحقين له، حيث ينقل لهم الأمانة الخاصة بسر “الكنز” عبر ما تركه بعد وفاته عام 1975 ضمن وصيته لابنه، الذي يعود من أوروبا إلى مسقط العائلة في الأقصر، ويصبح في حيرة بين تنفيذ قراره ببيع المنزل والسفر مجددا، أو البقاء والبحث عن الكنز!

يواصل “حسن الكتاتني” مطالعة ما تركه له والده “بشر” محمد سعد، الذي شغل منصب رئيس البوليس السري في عهد الملك فاروق، وشكلت حياته فترة أوائل القرن العشرين خلال أحداث الفيلم، وكان ذا شخصية صارمة منضبطة، تجمعه علاقة قوية ومقربة من الحاكم، ومتزوج من إحدى سيدات المجتمع ولا يوجد عاطفة بينهما، وتتكشف خلال الأحداث استمرار حياتهما الرتيبة، التي كرسها فقط لعمله، إلى أن وقع في غرام المطربة «نعمات رزق» أمينة خليل، ليدخل في مشاكل وصراع نفسي، ملخصه من سيتغلب الحب أم السلطة؟

في المحطة الفرعونية، اخترق مؤلف “الكنز”، عالم الفراعنة المثير، من خلال صراعات السلطة، ما أعطى المخرج وفريق الديكور بقيادة أنسي أبو سيف، مساحة للإبداع والإجادة في التجول داخل المعابد وتفاصيل نقوش جدرانها والملابس، عاكسًا ملمحًا من طبيعة المؤامرات المستمرة التي تعرض لها الحاكم من قبل الكهنة وسيطرتهم بمكانة قدسية نصبوها لأنفسهم بأنهم “عين الإله”، مبرزًا صراع الخير والشر الأزلي، كاشفًا عن المساحة الملتبسة بين السلطة والسياسة من طرف، والغريزة الإنسانية المتجسدة في المشاعر العاطفية وعلاقات الحب من طرف آخر، والصراعات الناتجة عبر قصة الحب التي جمعت بين “حتشبسوت” هند صبري، والمعلم “سمنوت” هاني عادل.

وفي العهد العثماني، استطاع عرفة، نقل روح العصر العثماني والطراز المعماري المميز له، ببراعة شديدة دون أن تشعر كمشاهد بتفاصيل تكسر اندماجك مع الأحداث، وزاد الأمر واقعية إتقان اختيار الملابس وتنفيذ الديكور، وركز المؤلف عبد الرحيم كمال، في تلك الحقبة على شخصيتين بارزتين، هما الأب «حسن رأس الغول» والابن «على الزيبق»، أحد أبطال السير الذاتية في التراث المصري، الذي يحتل مكانة كبيرة في عقول المصريين، لما له من سمات البطل الشجاع الذي ينصر العدل على الظلم وينتقم من الطغاة ويحقق قيمة العدل في ظل الفساد المتوغل إبان العثمانيين.

أحداث الفيلم تشير إلى روابط وإشارات عديدة يستنتجها المشاهد، جعلت السيناريو متماسك وواقعي لدى المتلقي، حيث تقع أحداث الثلاث قصص في الأقصر، التي تعتبر مسقط رأس الثلاث شخصيات خلال الثلاثة عصور، وأيضًا مكان “الكنز” الذي يبحث عنه الجميع ويريد كل منهما أن يفوز به، لكن لم يعطنا المخرج والكاتب أي ملامح عن ماهية “الكنز” وطبيعته، سوى فقط إشارة وحيدة غامضة، في أحد المشاهد عندما قرر “علي الزيبق” الوصول إليه، لتظهر له شخصية خيالية على هيئة شيخ مُسن، ويؤكد له أن دوره فقط “الحماية”، ولا يحق لأحد أن يمتلك كل شيء.

ويؤخذ على المؤلف والمخرج، اختزال الحقبة الفرعونية في صراع الكنهة ومحاولة الوقيعة بـ”حتشبسوت” بعد انكشاف أمر حبها، بالإضافة إلى الاعتماد على اللغة العامية في الحوار وعدم اللجوء إلى اللغة الفصحى البسيطة حتى، للفصل بين العصور وإبراز التطورات التي تغلب على اللغة كما أنماط الحياة، ما يمثل ثغرة أضعفت من الجهد الإبداعي المبذول في إعطاء العمل إطار منطقي، وإن كان يشفع له إلى حد ما إشارته في الوصف الملتصق باسم الفيلم “الحقيقة والخيال”، لكن لصق الخيال بتفاصيل الأحداث مع الالتزام الفني كان سيعطي الأمر منطقا أكثر.

الموسيقى التصويرية للملحن هشام نزيه، أضفت حالة من الانسجام والتناغم بين القصص الثلاث، ما ساهم في نقل المشاعر التي أرادها المخرج عبر المشاهد وأعطى الأحداث عمقًا أكبر، بجانب أغاني الشاعر أمير طعيمة، التي جسدت مع عناصر الفيلم حالة من التكامل، إذ أعط انطباعًا عن كل عصر على حدة، من خلال محاكاة هموم الشعب المصري تحت الولاية العباسية في الفترة التي تناولت الحقبة العثمانية، بثلاثة مواويل للمنشد الكفيف إيهاب يونس، بصوت مملوء بالشجن عكس حال المساكين والغلابة، وفي النصف الأول من القرن العشرين، استعان المخرج شريف عرفة، بصوت نسمة محجوب، القوي الدافئ، ليكشف من خلال عدد من الأغنيات حال السلطة والنفوذ والظلم والفساد.

الكنز” كتب بطاقات تعريفية جديدة لنجومه من أصغر دور إلى أكبر دور، إذ يعد الفنان محمد سعد مفاجأة الفيلم، مع ظهوره بشخصية جديدة تمامًا بعيدة عن سجن “االلمبي”، وأيضًا الفنان محمد رمضان، الذي جسد شخصية أحد أبطال سير التراث التاريخية، مودعًا أدوار “البلطجة” في قالب تمتع بالشجاعة والذكاء ومحاربة الظلم والظالمين.

وظهر الفنان أحمد رزق، بطلة مميزة، عبر دور “عبد العزيز النشار” المحامي والمستشار القانوني والذراع اليمنى لـ”بشر الكتاتني”، وبالمثل الفنان القدير عبد العزيز مخيون في دور “إني” المعلم للملكة “حتشبسوت” هند صبري، والفنان عباس أبو الحسن في دور “صلاح الكلبي” رأس الفساد في العصر العثماني.

يعرض الكنز” نفسه وبقوة كفيلم للتاريخ، ولكل متذوقي الإبداع ممن يبحثون عن أعمال سينمائية تحمل أفكارًا قوية وتثير عقله وروحه، بعيدًا عن ذات الطابع التجاري البحت، التي لا تهدف سوى الربح المادي فقط.