الكتابة التي لا تجرح لا يعول عليها

كنت دائماً أعد نفسي واحداً من الذين يسعدون بفعل الكتابة، وأحسب نفسي في أسعد لحظات حياتي حين أقرأ، وقد عملت أثناء رحلة الحياة في أعمال كثيرة، ولكني ما برحت فعل القراءة والكتابة طول الوقت حتى استقر بي الحال فيما أحببت بعد الالتحاق بمهنة الصحافة في بداية عقد الثمانينيات من القرن الماضي.

كنت تركت المحاماة بعد أربعة مواسم قضائية سعياً وراء الصحافة، كنت أتصور أن المحاماة رسالة، فإذا بالممارسة على أرض الواقع تحيلها إلى “لقمة عيش” وقفت في حلقي، فابتعدت عنها راضياً غير آسفٍ على ما فاتني من كسب منها.
وبمحض إرادتي اخترت أن أعمل بالصحافة، وأن أبدأ رحلتي معها وقد جاوزت الثلاثين من عمري، واخترت صحافة المعارضة منذ اللحظة الأولى، فلم أكن أتصور أن لمثلي مستقبلاً في صحافة تمسك الحكومة برقبتها مباشرة.

خلال رحلتي مع الصحافة والقلم كنت أبحث دائماً عن أوساط أستريح لها، وأستريح أكثر للعمل فيها، وأجد نفسي أكثر توافقاً مع طريقة تفكيرها، وقد دعيت ـ مراراً ـ إلى الكتابة اليومية في “بعض”، الصحف وأخطأت مرة واحدة بالاستجابة إلى بعض هذه الدعوات وكانت تلك واحدة من أخطائي التي لم أسامح نفسي عنها، وغادرتها على الفور حين بانت رائحتها الكريهة، وفزت من جديد براحة البال وسعادة الابتعاد عن العمل في أجواء غير صحية ولا صحيحة.

كان رأيي أن عنفوان الكتابة يأتيها من المشي عكس التيار المسيَّد، ولم أكن على وفاق مع هؤلاء الذين استوطنوا الهوامش يكتبون فيها وحولها، فغادروا المتون واستراحوا إلى المسموح، وابتعدوا بأنفسهم وأقلامهم عن وجع الدماغ أو وجع الجيب، هؤلاء الذين امتلأت جيوبهم وارتاحت عقولهم وتركوا المتن فارغاً لا كلمة فيه.

وتنقلت من صحيفة إلى أخرى، ومن بلد إلى آخر، أحاول في كل مرة ألا تتحول الكتابة إلى “لقمة عيش”، وأن تبقى طول الوقت “رسالة”.

هاجرت إلى قبرص وقت ازدحامها بالمطبوعات الصحفية العربية خاصة اللبنانية في زمن هجرتها من الحرب الأهلية، وكان هدفي أن أحصل على سعادة العمل المهني المميز..

ودفعت بي بعض الظروف مرة أخرى بعد مشاركتي في تأسيس جريدة العربي إلى الخروج إلى دبي أبحث عن سعادة أن تكون إضافة حقيقية إلى عمل صحفي، وغادرته والقائمون عليها يقولون: نشكرك على تعويم الجريدة، وكانت تلك لحظة من لحظات السعادة الحقيقية عندي.

ومن بعد استقر قلمي في جريدة “العربي” أكتب فيها بانتظام لسنوات متتابعة تحت عنوان “سؤال بريء”.

حين كتبت “سؤال بريء” كان تعليق كثير من المحبين أنه ليس سؤالاً، ولا هو بريء، فقد كنت مقتنعاً ـ وما زلت ـ بأن الكتابة التي لا تجرح لا يعول عليها.

واخترت على الدوام أن يكون كلامي مباشراً، ذلك أن التورية لا تصلح في الزمن العربي الذي نعيش، وإذا كان للعرب أهداف لغوية أو جمالية من وراء “التورية” التي هي ستر الخبر وإظهار غيره، فلست أرى أهدافاً جمالية الآن أكثر من “المباشرة”، ووضوح الموقف وجديته.

ولعلي واحد من الناس الذين يرون أن أحوالنا لم تعد تقبل أن يتوارى الكاتب وراء فكرة ملغزة، أو خلف كلمات مهجورة، أو ممسوحة المعني، بل إن أحوالنا هذه لم تعد تقبل ـ بأي حال ـ إلا أن نكون مباشرين، نذهب إلى ما نريد قوله مباشرة، من دون لف أو دوران، ومن أقصر طريق إلى قلب المعنى، وإلى عقل القارئ وقلبه.

العهر البادي على شاشات التلفاز لا يصلح معه إلا الكلام المباشر، والعهر المتمثل في سياسات الساسة لا يصلح معه من الكلام إلا المباشر، وربما الجارح، كما أن العهر في الأكاذيب التي احتلت ألسنة بعض المثقفين لا يصلح له الآن غير كلام مباشر، وهذا العهر في كلام الذين يتصدرون الآن ساحة السياسة والإعلام والاقتصاد والاجتماع لم يعد يصلح له غير المباشر من الكلام..

كان السؤال الذي يلح عليَّ ـ وما يزال ـ لماذا يتوارى الكاتب خلف الكلمات إذا كانت الكتابة موقف، والمواقف لا تعرف غير المباشرة والوضوح والتحديد؟، ولماذا يوري الكاتب إذا كانت الأقلام نفسها لم تعد ترضى إلا أن تكتب ما هو حقه الكتابة؟
الكتابة فعل إيجابي يمكن أن يتحول إلى فعل فاضح في الصحف السيارة أو المواقع المنتشرة.

والكتابة فعل يجمع بين وعيين، وعي الكاتب ووعي القارئ، يتفاعلان معاً ويصنعان الدور المأمول من وراء كل “كتابة”.
الكتابة فعل إيجابي حين تكون تنويرية دافعة الى الامام ورافعة الى المستقبل، ولكن بعض الكتابة يدخل في باب الأفعال السلبية تلك التي تساعد على فرض التخلف لا رفضه، وتبشر بغياب الوعي لا تثويره.

الكتابة التي لا تثير عقل القارئ الى التفكير لا قيمة لها، والكتابة التي تخلو من دسم المواقف ويروتين الوعي هي كتابة “أرديحي” لا قيمة غذائية فيها، ولا أثر صحي تتركه، لا تترك غير الهزال العقلي والوجدان الأجوف.

والكتابة موقف، والمهم أن يكون الموقف في عظائم الأمور لا في توافهها، فالكتابة في الهوامش لا يعول عليها لأن الكتابة في المتون هي الأصل.