الدول العربية.. تعاون تصاعدي مع الكيان الصهيوني

يعجز رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي، بينيامين نتنياهو، عن تمالك فرحته وهو يبشر بمرحلة غير مسبوقة وصل إليها قطار التطبيع بين تل أبيب ودول عربية، لكنه في نفس الوقت يأبى أن يفصح عن التفاصل وما إذا كانت تتجاوز الدبلوماسية إلى مجالات كالتنسيق الأمني، فرح نتنياهو لاح مضاعفًا، ففي الوقت الذي انفتحت فيه أبواب مزيدٍ من عواصم العرب في وجه دبلوماسيته دون أي تنازل يذكر في قضية الحقوق الوطنية الفلسطينية، وتخلي أغلبية القادة العرب عن الحد الأدنى من مطالبهم التي كانت تنادي بأنه لا تطبيع مع الكيان الصهيوني قبل قيام دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس، فها هو نتنياهو يستعد لجولة في دول أمريكية لاتينية تضم كلا من الأرجنتين وكولومبيا والمكسيك، بعد أخرى سبقتها في الدول الإفريقية، تلك التي لم تجد فيما يبدو معنى للحفاظ على مسافة من إسرائيل، وقد سارعت دول عربية للارتماء في أحضانها.

وقال نتنياهوالأربعاء الماضي “لقد نسيت الإشارة إلى كتلة أخرى من الدول، كتلة صغيرة في الاختراق الكبير الذي حققته إسرائيل في المنطقة، وهي كتلة الدول العربية، إن ما يحدث مع الدول العربية على أرض الواقع، أكرر على أرض الواقع، لم يحدث منذ نشأتنا وحتى عندما وقعنا اتفاقيات السلام، عمليًّا التعاون المشترك بطرق ومستويات مختلفة ليس من الضروري أن يكون معلنًا، ولكن ما هو غير معلن أكبر بكثير مما وصلنا إليه في أي فترة سابقة منذ نشأة إسرائيل، وهذا تغيير عظيم”.

وجاء كلام نتنياهو خلال حفل أقيم بمناسبة عيد رأس السنة العبرية الجديدة في مقر وزارة الخارجية الإسرائيلية في مدينة القدس، وقد أشار نتنياهو أمام موظفي خارجيته عن تنامي وتحسن علاقات إسرائيل بدول عربية سنية لم يسمها، ولا ترتبط معها باتفاقيات سلام، كما هو الحال بينها وبين جارتيها مصر والأردن.

وأكد نتنياهو أن “هذا التعاون ليس في مرحلة الظهور العلني، واعتبر أن ما يحدث مع الدول العربية “يعتبر تغيرًا كبيرًا، مع أن الفلسطينيين وللأسف الشديد لم يعدلوا بعد من شروطهم للتوصل إلى تسوية سياسية، وهذه الشروط غير مقبولة بالنسبة لقسم كبير من الجمهور الإسرائيلي”.

وتعد هذه هي المرة الأولى التي يتفاخر فيها نتنياهو بهذه الصورة بعلاقات التعاون السري مع الدول العربية.

المفارقة هنا أن تفاخر نتنياهو بعلاقته مع الدول العربية يأتي على بعد شهر واحد من الانتهاكات الإسرائيلية للمسجد الأقصى المبارك، وهي إشارة واضحة منه إلى أن علاقاته مع أنظمة الدول العربية لم تتأثر بتاتًا بهذه الانتهاكات، بل الأكثر من ذلك أن نتنياهو أضفى بعدًا دينيًّا على هذه العلاقة، حيث وصف هذه الدول بـ”السّنيّة”، وهو الأمر الذي يعقد من فداحة المشهد، خاصة أن علاقات هذه الدول العربية السنية تتطور بإسرائيل في الوقت الذي تنتهك فيه تل أبيب المقدسات الإسلامية وتسعى إلى هدمها.

ويقول عضو هيئة التحرير في صحيفة هآرتس العبرية، آمير أورين “من الواضح أن نتنياهو يقصد البلدان السنية في الخليج، وهذا ليس جديدًا، فهو يعني الاتصالات السرية التي كانت إسرائيل تجريها خلال فترة طويلة تمتد على الأقل 15 عامًا، وحتى أكثر مع المملكة العربية السعودية ومع دولة الإمارات العربية وربما مع بلدان أخرى، لكنه يحاول تصوير هذه العلاقة أو هذه الاتصالات على أنها تتجاوز المجال الأمني.

وفيما يتعلق هنا بالبعد الأمني يقول نشطاء فلسطينيون، إنه إذا كان هناك ملف أمني لشخصية فلسطينية عند إسرائيل، فهذا الملف موجود في العديد من البلدان العربية، وإذا اعتقلت تل أبيب شخصية فلسطينية، فعلى الأرجح معظم الدول العربية ستعتقلها أيضًا حال خروجها من فلسطين المحتلة، أو لن تسمح لها بالدخول لأراضيها في أحسن الأحوال إذا لم يتم تصفيتها.

ويعيد متابعون وضع التنسيق الأمني بين تل أبيب والدول العربية منذ فترات طويلة، فحتى مرحلة ما قبل قيام إسرائيل كانت الحركة الصهيونية تقيم علاقات مع بعض القادة العرب في الدول المجاورة لفلسطين، حيث كانت جولدا مائير وهي رئيس الوزراء الرابعة لحكومة الاحتلال، قبل أن تكون رئيسة للوزراء، تزور بعض البلدان العربية وتقيم علاقات، وبالتالي العلاقات تطورت منذ سنوات طويلة.

ومن المعروف أيضًا أن بقاء بعض الأنظمة العربية واستمرارها في الوجود مرتبط إلى حد كبير بإرادة الولايات المتحدة، فالرئيس المصري الأسبق، أنور السادات، قالها صراحة إن 99% من أوراق اللعبة بيد أمريكا، كما أن بقاءها مرتبط أيضًا بالقضايا الأمنية الإسرائيلية، وهذا يعني أن إسرائيل ساعدت بعض الأنظمة العربية على البقاء، وبالتالي هذه الأنظمة مدينة لإسرائيل في بقائها في الحكم، وليست مدينة للشعوب العربية أو للشعب الفلسطيني أو للقضية الفلسطينية، وبالتالي الأنظمة العربية ستُغلب استمراريتها في الحكم على قضايا الأمة العربية والإسلامية.

كلام نتنياهو حول تنامي العلاقات مع دولة عربية له دلالات كثيرة على أرض الواقع، حيث قال تسيفي بارئيل، محرر الشئون العربية في صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، إن هناك خطابًا عامًّا جديدًا في مصر فيما يتعلق بإسرائيل، فلم تعد هناك الانتقادات العنيفة التي كانت توجه للسياسات الإسرائيلية، والتي كنا نشهدها في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، ومع ذلك، أشار الكاتب إلى أن هذا الخطاب ربما يكون خادعًا.

العبارة الأخيرة لبارئيل تشير إلى أن حالة اليأس التي وصلت إليها إسرائيل من محاولات التطبيع على المستوى الشعبي، على الرغم من الخروقات الهامة التي حققتها تل أبيب مؤخرًا في العمل على الشريحة الشعبية من خلال بوابتي الغاز والتجارة، حيث أصبح من الممكن لمستثمريين مصريين التعاقد مع شركات إسرائيلية فيما يخص الغاز والكهرباء، إلا أن مراقبين يقولون إن حالة اليأس هذه لم تعد تلبي متطلبات التمدد الإسرائيلي في المنطقة، خاصّة مع علاقاته المتجددة وحالة كسر الجمود في العلاقات مع الدول العربية والخليجية والإفريقية، الأمر الذي دفع نتنياهو إلى التوجه إلى البلدان التي لم تخض حروبًا مع إسرائيل، ولم يتشبّع الوعي الشعبي لدى هذه البلدان بمعاداة إسرائيل التي احتلت أراضيها إبان الصراع العربي الإسرائيلي، كما هي الحال في مصر والأردن ولبنان وسوريا، وفي نفس الوقت يعمل نتنياهو على خلق عدو بديل لإسرائيل كـ”إيران” بمساعدة حكومات هذه الدول العربية التي وصفها بالسنية، ليتمكن من اللعب على الوتر الطائفي وتأجيج الصراعات المذهبية في المنطقة، وهو الأمر الذي سيبقي إسرائيل في الأمان، بينما تدخل الدول العربية والإسلامية حروبًا عبثية تنهك قوتهم وتجعلهم فيما بعد لقمة سائغة لمخططات إسرائيل التوسعية.

الجدير بالذكر أن الكيان الصهيوني بدأ يفضح علاقاته السرية والعلنية مع العديد من الدول العربية، كالتنسيق الأمني والاقتصادي مع مصر والأردن، والعلاقات الاقتصادية مع المغرب وقطر، والدبلوماسية مع السودان فيما يخص رفع العقوبات الأمريكية عنها، وعلاقاته في مجال السياحة والأمن مع دولة الإمارات، وبدأت معلومات تخرج عن تورط الإمارات في عملية اغتيال القيادي الحمساوي، محمود المبحوح، كما بدأ يكشف مؤخرًا عن زيارات سرية بين السعودية وإسرائيل.