الحاجة لمنظومة قيمية مصرية

فى كل المجتمعات تبقى هناك منظومة قيمية هى مزيج من العرف والعادات والتقاليد والأديان، لا يستطيع أى مجتمع أن يحيا بسلام فى غيابها، ويبقى واقع الأمم تقدما أو تأخرا مرهونا بمدى التقيد بسلطان تلك المنظومة القيمية، ورغم أن كثير من المجتمعات الغربية المتقدمة لا تتحدث كثيرا عن القيم بقدر ما تخضع لسلطانها، تبقى مجتمعاتنا من أكثر المجتمعات حديثا عن القيم بديلا فيما يبدو عن التقيد بأحكامها أو الخضوع لسلطانها.

فى مصر على وجه التحديد بعد جملة التطورات السياسية والاجتماعية التى ضربت المجتمع المصرى فى العقود السابقة، يدور خلاف ممتد بين من يعتقد أن المجتمع المصرى يعانى تفسخا قيميا، هو نتاج استبداد وفساد النخبة الحاكمة وعدم نهوضها بأدوارها فى ترقية المجتمع وصيانة قيمه وعاداته الصحيحة التى تتفق مع ميراث البشرية المشتركة من قيم، وتتباين الآراء فيمن يعود بأسباب تلك الأزمة إلى ثورة يوليو 1952 التى فتحت الباب لسيطرة نخبة عسكرية حاكمة ظلت تحافظ على مصالحها وتنشغل بها تحت عناوين مختلفة، ويحاجج أصحاب هذا الرأى بأن الضحية كان الإنسان المصرى الذى لم يعد شاغل الأنظمة الإرتقاء به بدنا وعقلا وروحا، بل الحرص على قهره بسيف السلطة ليبقى عبدا طيعا خادما لنخبة حاكمة، ظلت تغير جلدها من الاشتراكية إلى الرأسمالية دون أن تتقمص بشكل كامل أيا من تلك الأنظمة، التى لم تكن سوى أقنعة لم تنجح فى إخفاء أشكال الاستبداد والفساد ومصادرة الحقوق والحريات، بدأت بمصادرة الحقوق السياسية قبل أن تتطور إلى مصادرة لكامل الحقوق فتضم أيضا الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

لا تستطيع فى أى مجتمع أن تعزل منظومته القيمية عن نمط الحكم والاختيارات الاقتصادية لهذا الحكم، وبالتالى فى ظل هذا الشكل السلطوي لم يعد النظام أي نظام معنيا بصيانة أي منظومة قيمية قد تتقاطع مع طموحاته أو قيمه الخاصة.

عندما ترتكب السلطة أو أدواتها أى حماقات تؤكد تملصها من أى قيد قانونى أو أخلاقى تصبح فى موقع القدوة التى يقلدها الناس، وقديما قالوا الناس على دين ملوكهم، وهنا يبرز خلاف بين من يعتقدون أن المجتمعات هى التى تفرز نمط الحكم واختيارته، بمعنى إذا سادت قيم التناصف والعدل وإعلاء الحرية والإيثار وإتقان العمل وتحري الصدق والأمانة وغيرها من قيم التقدم فى المجتمع، قطعا لن يكون النظام سوى انعكاسا أمينا لهذا المجتمع، أما إن كان المجتمع غارقا فى الموبقات من كذب وخداع وغش وتدليس وفهلوة وإيثار للدعة والكسل وعدم الرغبة فى إنجاز أى شىء فسيكون نمط الحكم على نفس الشاكلة.

لكن هناك من يذهب إلى أن فكرة الدولة الوطنية الحديثة تأرجحت بين دور كبير أو متوسط أو محدود للدولة، لكن يبقى لها دور فى النهوض بتأمين أجواء تساعد على إطلاق المبادارت الفردية أو الجماعية، التى تصنع فى النهاية مجتمعا مدنيا قويا منظما فى نقابات أو اتحادات أو روابط ومؤسسات، تعود الناس على العمل الجماعى الذى كان السبيل الطبيعى لنهوض المجتمعات المتقدمة.

قد تبدو السلطة غير مهتمة ببناء نظام قيمى قد يستدرك عليها أو يقيد سلوكها، لكن المجتمع يجب أن يبقى مهتما ببناء وصيانة منظومة قيمية تيسر حياة يستطيع الناس تحملها، تستبدل لنا هذا الشكل المسخ الذى استحالت إليه حياتنا.

هل من المقبول فى ظل أى منظومة قيمية آمن بها هذا الشعب يوما سواء كانت ظلا لدين باهت أو حضارة أو عرف أو عادة، أن نقبل كل تلك الصور من التردي الحضاري والإنساني الذى تلخصها مشاهد الشماتة فى الموت، أو التلاسن بين أبناء الأسرة الواحدة أو المس بالأعراض المصونة أو الحكم على النوايا أو التسامح مع الخروج على الحد الأدنى من قيم المجتمع الى حد اجتماع عشرات الألاف من الشواذ فى حفل عام تتناقل أنباءه الأخبار والمواقع.

ماذا يريد أولو الأمر من هذا المجتمع؟ وهل يتصور البعض أن التسامح مع هذا اللون من الفوضى قد يستجلب رضا الغرب أو دعمه.

ربما هى صيحة عاقل فى مواجهة السلطة، الفضيلة ليست منتج أنتجته جماعات الإسلام السياسى وإن تخفت خلفه، لكنه اختيار بشرى يتباين الناس فى الإيمان به والخضوع لأحكامه، لذا يجب أن يبقى فضاء الدعوة للفضيلة مفتوحا تحت عنوان دينى أو غيره صيانة لأمن هذا المجتمع.
مجتمع بلا فضيلة يعنى فوضى أو غابة ولا أتصور أن أي نظام عاقل يرضيه أن يتحول مجتمع إلى هذا الشكل من الفوضى، التى تنسف خصوصية هذا المجتمع وطبيعة تلك الدولة التى عرفناها دولة محترمة متحضرة وإن تراجعت أحوالها إلى هذا الحد المزري.