الحاجة لتحرير فضاء الدعوة

فى مجتمعاتنا المسلمة التى تعانى مظاهر الوجود الطويل للفساد والاستبداد، من غياب للعدل والحرية والحوار الصحى والمشاركة السياسية والاجتماعية، وضعف مؤسسات التنشئة الاجتماعية أو بالأحرى عدم نهوضها بمهامها فى إكساب المواطن الأخلاق الأساسية اللازمة لنهوضه بمواطنة صحيحة، لا تنفصل عن تدين صحيح فالدين فى حقيقته لا يتناقض أبدا مع الوطنية كما حاول رواد ما يسمى بالحركات الإسلامية خداعنا طويلا.

هناك دائما حاجة أو طلب على التدين الذى يقدم له الأزهر نسخة تقليدية تفصل عناصر التدين عن بعضها، فمن المعروف أن التدين فى النهاية هو عقائد وطقوس وأخلاق، وفى النسخة الصحيحة منه سنجد أن الاعتقاد الصحيح والحي يؤدى مباشرة إلى حرص على الطقوس التى يتطابق فيه المبنى مع المعنى، فلا تؤدى خالية من الشعور أو الخشوع، ولا تنتج أثرا أو سلوكا إيجابيا مفيدا، فالوضوء يطهر النفس قبل تطهير الجوارح، والصلاة التى لا تنهى عن الفحشاء والمنكر لا فائدة فيها، والصوم الذى يقف عند الامتناع عن الطعام والشراب، والشهوة لون من ألوان تعذيب البدن، لا يحقق التقوى التى هى مراد الصوم وغايته، وكذلك كل الطاعات والأذكار التى حثنا عليها ديننا، فالمعتقد الصحيح يؤدي إلى أداء الشعائر والطقوس بشكل صحيح، والتى تنعكس بشكل طبيعى على سلوك المسلم الذى نستطيع وصفه متى استقامت تلك الدورة فى حياته بأنه شخص متدين، يقع الدين فى بؤرة عقله ووجدانه موجها سلوكه لكل خير، رادعا نفسه عن كل شر، والمعتقد أمر بين العبد وخالقه، وكذلك الطقس وإن شاهدنا المسلم يؤديه، فالقلب فى النهاية موضع نظر الحق تبارك وتعالى، أما السلوك أو الخلق من صدق وكذب من وفاء بالعهد أو خيانة من استقامة على الحق وتواصيا به،كل ذلك يستطيع البشر الحكم عليه مادام ظاهر فى أفعال الجوارح التى يرى الناس فعلها، أما القلب تبقى حجراته مفتوحة فقط أمام الخالق العظيم.

وقد حفظت لنا السنة النبوية مبادىء لا يجب أن ننساها أبدا، منها قول أحدهم لا يغفر الله لفلان، فيرد الله تبارك وتعالى عليه فيقول: من هذا الذى يتألى علي، لقد غفرت له وأحبطت عملك، ومن ذلك أيضا أننا مأمورون بإحسان الظن بالمسلمين، ساعين إلى تأويل أفعالهم بالخير دائما، تاركين الأخلاق الباطنة من تقوى وخشوع وإخلاص لله وحده.

الأصل إحسان الظن بالناس الأصل فى الناس البراءة، ولقد سقطت حركات ودعاوى لأنها نصبت نفسها قيما على ضمائر الناس ومعتقداتهم بل وعباداتهم التى تحولت الى أداة لاسترضاء تلك الحركة أو ذلك التنظيم، فخرجت عن القصد منها بالرياء والسمعة والشرك الخفى الذى نهانا الله عنه.

قدمت بهذا القول بالنظر إلى تلك الواقعة المتعلقة بأحد الدعاة الجدد الذين أطلوا على الساحة الدعوية فى التسعينات واجتذبوا شرائح واسعة من الناس، التى وجدت فى النسخة المقدمة من هذا الخطاب نسخة متصالحة مع الدنيا والدين، تحب الحياة ولا تضيق دائرة الحلال لحساب دائرة الحرام والحرج، ومن ثم فقد اكتسبت هذه الموجة من موجات الدعوة الإسلامية أنصارا ويسرت الدين لشرائح كانت بعيدة عن التدين وهو أمر محمود لا شك.

عمرو خالد واحد من هؤلاء الدعاة الذين أطلوا على الساحة الدعوية، وللتاريخ حاول الرجل أن يصنع تجربته بذاتية، بعيدا عن جماعة الإخوان التى كان عضوا فيها، وعندما نجح فى صناعة جماهيرية وشعبية كبيرة طوقته الجماعة بلجنة من لجانها لكى توظف حركته فى خدمة التنظيم، وهو ما ساهم فى النهاية فى تراجع تلك الشعبية خصوصا مع محاولاته المتكررة نفي تلك الصلة إلى حد الكذب أخيرا فى حوارات تلفزيونية حاول من خلالها تأكيد صلة قرابة مع أعداء تاريخين للجماعة مثل رئيس الوزراء ابراهيم عبدالهادي.

ربما تكون مشكلتى فقط مع عمرو خالد أنه يكذب، والمؤمن لا يكذب، لكنى لم أتفاعل مع موجات النقد التى تعلقت بمشهد دعائه لأعضاء صفحته أو محبيه ولا كونه خاشعا أم غير خاشع، فهذه أمور يعلمها ربى.

ظاهرة عمرو خالد فى النهاية تفضح خلو واقعنا من دعاة نثق بهم ولا تسعى الحكومات لتشويههم أو اغتيالهم معنويا، لابد أن يبقى حق الدعوة مكفولا للجميع، دون أن يكون فى خدمة حكومة أو تنظيم، والناس أضحت قادرة على الفرز كما أنها ستبقى تبحث عن التدين الصحيح سبيلا للخلاص، وفى مواجهة هذا الطلب لابد أن نجد عرضا، فمن سيتقدم للمهمة إذا بقيت معرضة لنقد وحصار بهذا الشكل، حرروا فضاء الدعوة من السياسة ومؤمراتها وغبارها، فالتدين الصحيح سيخدم سلم المجتمع وأمنه، وهو أمر يحتاج له الحاكم والمحكوم.

اتركوا مساحة للدعوة حتى لا تعطوا حركات كالإخوان وغيرهم الحق فى الإدعاء بأنهم هم وحدهم من كانوا يحدبون على الدين والتدين عندما خلطوا الدعوة بالسياسة.

إحذروا أن تعصفوا بهذا الهامش فى سياق المعركة مع التطرف والإرهاب، فذلك يوسع ساحاتهم وحدهم فى النهاية.