التمدد الكردي على الأرض في سوريا.. إلى أين؟

يشهد الواقع الميداني للقوات الكردية المجمّعة والمسلحة أمريكيا، قوات سوريا الديموقراطية، تفككا في الشمال السوري الذي اقتطع منه الأكراد مساحة واسعة من السيطرة، تشمل كامل محافظة الحسكة الواقعة في الشمال الشرقي، والقطاع الشمالي من محافظة الرقة المجاورة، وقطاعين شماليين من محافظة حلب، رغم ذلك، لا يمكن القول أن مشروع الأكراد لإقامة “فدرالية” بحكم الأمر الواقع مشروعا قائما بسلاسة، في مواجهة العديد من العقبات العملية تماما والعوائق التي لا يضمن الدعم الأمريكي الكامل تجاوزها بالضرورة، مع موقف تركي مضاد في هذا الإطار، وموقف عراقي متحفز ورافض، تغذيه دعوات استفتاء استقلال كردستان العراق.

في مشهد كهذا جاء قرار قوات سوريا الديموقراطية بالتغلغل داخل محافظة دير الزور على حساب تنظيم داعش، المنهار، ومحاولة استباق وصول الجيش العربي السوري لتحريرها، فانطلق لسان هجومي كردي نحو دير الزور من جهة الشَمال وتراجع أمامه داعش، بموازاة شروع الجيش العربي السوري، من جهة الغرب والجنوب، في فك الحصار عن حاميته التي صمدت لنحو 4 سنوات، وبدخول الجيش السوري لدير الزور كثّفت القوات الكردية من تقدمها نحو نقطة جغرافية سيكون الصدام عندها مع السوريين حتميا مع الصعوبة البالغة، عمليا في انفتاح جبهة كتلك وانفجار الوضع فيها بين هذين الطرفين، مع تعقيدات إقليمية ودولية ضخمة تجعل من أمر كهذا أكثر صعوبة وحساسية من كافة الفصول السابقة والحالية للحرب السورية.

التقدم الكردي المذكور وجد أمامه سريعا تحرك روسي خشن وغير مسبوق في إطار التعامل مع الأكراد، حيث قصف الطيران الروسي منذ ثلاثة أيام قوات كردية كانت في التخوم بين الرقة ودير الزور، الأمر الذي دفع قيادة عملية التحالف الدولي لمحاربة داعش إلى إصدار بيان قالت فيه إن الهجوم نتج عنه إصابة عسكريين تابعين للتحالف، مما يكشف وجود رغبة أمريكية طبيعية تماما وراء تقدم الأكراد نحو دير الزور على حساب داعش وكبح اندفاع الجيش العربي السوري لتحريرها والسيطرة عليها بالكامل، بعد تجربتهم، أي الأكراد، في طرد داعش من الرقة والتي استغرقت مدة زمنية فائقة مع كل الإمدادات الأمريكية المتنوعة ومع الضعف المتزايد لداعش خلال الأشهر الأخيرة من عمر الحرب السورية، على أي حال، يعُد الأمريكيون العدة بشكل علني، وباستخدام الأكراد، لتشكيل ما أسموه “مجلسا مدنيا” لإدارة الرقة بعد تصفية آخر جيب سيطرة داعشي فيها، وعلى موجة “ديموقراطية المكوّنات” الأمريكية المعهودة سيضم المجلس من أسمتهم أمريكا “عرب سنّة معتدلون” مع سيطرة للأكراد عليه بحكم الأمر الواقع، رغم الكتلة السكانية العربية الغالبة هناك، ثم بوصول الجيش السوري إلى تخوم دير الزور، أوائل الشهر الحالي، تم تفعيل ما يُسمى بـ”مجلس دير الزور العسكري” التابع لقوات سوريا الديموقراطية، واُعلن في التاسع من الشهر الجاري عن عملية ضد داعش لطردها من قطاع شرق الفرات من دير الزور.

التمدد الكردي.. لماذا الآن؟

أولاً:لا يسعى أكراد سوريا جديّا بصرف النظر عن رغبة محرّكهم وداعمهم الأمريكي، إلى الإستيلاء بحسم على كامل دير الزور على شاكلة ما تم في القطاع الشمالي من الرقة، التي يشمل ريفها الشمالي على أي حال مرتَكزا سكانيا كرديا في عين عيسى وتل أبيض، في حين يعكس واقع دير الزور مشهدا ديموغرافيا مختلفا يحتوى أغلبية سكانية عربية، مما يصعّب إقامة منطقة كردية مغلقة ذات استقلالية على شاكلة الحسكة المسيطَر عليها كرديا بحكم الأمر الواقع والمحسوبة حتى الآن، على مستوى رسمي، في نطاق الدولة المركزية السورية الواحدة، من هنا فليس في دير الزور ما يمكن البناء عليه لإقامة سيطرة كردية حقيقية ومستقرة، في الحد الأدنى، وليس ثمة احتياج موضوعي على الأرض لذلك في ظل ملاصقتها بالفعل لمرتكزين كرديين مستقرين حتى الآن أي الحسكة شمالا والرقة نحو الشمال الغربي.

ثانيا:من ناحية أخرى، يمثّل التمدد الكردي جنوبا وشرقا من الحسكة والرقة نحو دير الزور، في الشرق السوري، محاولة لتعويض كتلة السيطرة الجغرافية الكردية التي انقسمت وتم كسرها خلال العام الماضي والحالي، في الشمال السوري، حيث أدت عملية “درع الفرات” التركية في شمال حلب إلى فصل مرتكزيّ منبج وعفرين عن بعضهما البعض، وقد كانا يشكلان مساحة واحدة من السيطرة مع مدينة الباب جنوبا، واستطاع الأتراك خلق جيب عازل كفل شقّ تلك المساحة وشمل مدن الباب ودابق وجرابلس وأعزاز ومارع، وتسيطر عليه قوات درع الفرات التركية بالتنسيق مع الجيش التركي، وأزاحت العملية سيطرة الأكراد نحو شرق الفرات مما كفل لتركيا ألا يكون كامل شريطها الحدودي مع سوريا مسيطَر عليه كرديا، واستطاعت تثبيت موطيء قدم في الداخل السوري في محيط مدينة الباب ذات الأهمية الاستراتيجية، مسيطرةً على قطاع من شمال حلب، ومن ثم فشل المشروع الكردي في شمال حلب رغم استيفائه للقاعدة السكانية والاجتماعية المطلوبة.

من هنا اكتسبت الرقة أهميتها للأكراد وهذا ما قرأه الأمريكيون ودعموهم فيه، لذا اتجه الأكراد مؤخرا لمناورة دير الزور، المحافظة الحدودية الأهم مع العراق، باعتباره سعيا للوصول إلى تلك الحدود ومن ثم تقريب مساحة السيطرة الكردية في الحسكة، من خلال دير الزور، من تلك الموجودة في شمال العراق أي محيط دهوك وأربيل، الأمر الذي لا يمكن قرائته سوى كإنجاز إعلامي ومعنوي إذ أجهضت القوات العراقية الفكرة عمليا بعد تحرير الموصل، وأغلقت نحو ثلث حدود الحسكة مع نينوى العراق، وبالتالي إن حدث وصول كردي للحدود مع العراق، ومن خارج الحسكة أي من دير الزور، سيكون نحو صحراء الأنبار الخارجة تماما عن المحيط السكاني الكردي.

ثالثا: وفقا للمعطيات الميدانية العسكرية واللوجيستية والاجتماعية والسكانية، غالبا ما سيتوقف التمدد الكردي الحالي عند المحيط القريب للقطاع المحدود المسيطَر عليه كرديا من دير الزور، مساحته نحو 2 كم مربع، مع التقدم نسبيا لحين بلوغ غرب طريق الميادين – الحسكة شمال شرق مدينة دير الزور نفسها، الأمر الذي سيكفل لهم مساحة للتفاوض مع الدولة السورية فيما بعد، يستطيعون من خلالها اللعب بورقة السيطرة على قطاعات جغرافية غير كردية سكانيا مقابل قبول الدولة السورية لتعزيز وشرعنة سيطرتهم على الرقة والحسكة وقطاعيّ شمال حلب.