الاستراتيجية الأمريكية الجديدة: استبدال داعش بجبهة النصرة

بعد انهيار داعش في سوريا والعراق توصل مسئولو وكالة الاستخبارات الأمريكية والموساد في اجتماع عقد مؤخرا في الأردن إلى استبدال داعش بجبهة النصرة التي كانوا يعملون على تجهيزها لفترة مديدة لتصبح أقوى جماعة مسلحة في سوريا تهدف إلى تغيير النظام.

وفي إعلان وقف إطلاق النار من جانب روسيا والولايات المتحدة في 2016 وفي سياق المفاوضات الثنائية عندما دعت روسيا الولايات المتحدة إلى فصل المعارضة السورية عن الإرهابيين وتصنيف جبهة النصرة جماعة إرهابية وإدراجها على لائحة الإرهاب الدولي رفضت السلطات الأمريكية هذا الأمر وانتهجت مسارا مغايرا مما أدى إلى إلغاء المفاوضات الثنائية بين الطرفين.
ومع أفول شمس تنظيم الدولة في سوريا والعراق تسعى الولايات المتحدة إلى استخدام جبهة النصرة كآلية لتحقيق أهدافها في المنطقة.

إطلاق سراح أسامة العبسي الواحدي المعروف بـ أبي محمد الجولاني قائد جبهة النصرة لأهل الشام من معسكر بوكا الأمريكي في عام 2008 م والتحاقه بـ أبي مسلم التركماني أحد أهم قياديي داعش وواليها في العراق إضافة إلى إطلاق سراح مئات المتطرفين في بداية لهيب الثورات في سوريا لم يكن صدفة، بل جاء كل ذلك في نفس السياق الذي كان مخططا له في سوريا والعراق، حيث قام الجولاني في بداية عمله بالقضاء على “جبهة ثوار سوريا” و”الجيش الحر” كما أنه حصل على دعم مالي كبير من أجهزة غربية من خلال وسائط خفية تحت غطاء فدية وتبرعات مالية للإفراج عن الرهائن. ويعد هذا القدر من المال الذي تجاوز80 ميليون دولار أضعاف الدعم الذي تلقاه “جمال معروف” و”حركة الحزم” خلال الثورة السورية من الخارج، كما تسلم الجولاني أطنان من السلاح والذخائر من غرفة العمليات الأمريكية “مودم” عن طريق بعض الجماعات المسلحة.

ومن الجدير بالذكر أن كل الجماعات المسلحة والمستقرة في شمال سوريا، والتي تتلقى دعمها من هذه الغرفة كانت تسلم بعض هذا الدعم شهريا أو سنويا إلى جبهة النصرة، وذلك كله بأمر من الولايات المتحدة حتى أنشأ الجولاني في حلب مجموعة وهمية أصبحت جزءا من تنظيمات “مودم” لتلقي الدعم مباشرة من الولايات المتحدة، ومازالت المساعدات الأمريكية مستمرة على الجولانی ليهيمن على جميع المجموعات المسلحة في سوريا.

وتجدر الإشارة إلى أن جبهة النصرة تحالفت في الغوطة الشرقية مع فيلق الرحمن المدعوم من قبل السلطات الأمريكية، وفي المقابل قاتل الجولاني كل الجماعات المعارضة بتعلة التحاقهم بمحادثات الأستانة، كما هاجم أحرار الشام الذين كانوا يعارضون هذه الاجتماعات، وإلى جانب كل هذه الخطوات قام الجولاني بتسليم عدة مدن وقرى إلى جيش إدلب الحر المدعوم أمريكيا.

ومن جهة ثانية تعد تسوية الخلافات بين جبهة النصرة وجيش الإسلام المدعوم سعوديا بقيادة زهران علوش من أحدث التطورات الميدانية التي شهدتها هذه الجماعة في الفترة الأخيرة، فبعد زيارة زهران علوش إلى السعودية في موسم الحج الماضي تسرّبت معلومات كثيرة عن هذه الزيارة، سواء لجهة لقاء علوش مع ضباط استخبارات سعوديين، واجتماعه مع شيوخ ورجال أعمال داعمين للفصائل المسلحة، أو اجتماعه الملتبس مع الشيخ سليمان العلوان، الذي يعتبر من أكبر مؤيدي تنظيم «القاعدة» في السعودية. وبعد عودة علوش من زيارة الحج بدأ الحديث عن سعي الفصائل للتوحد ضمن «جيش واحد» أو جبهة واحدة أطلق عليها لاحقاً اسم «الجبهة الإسلامية»، وضمت «أحرار الشام» و«جيش الإسلام» و«لواء التوحيد» و«صقور الشام» و«لواء الحق».

وكان من أبرز ثمرات زيارة علوش إلى السعودية، التقارب الذي حصل بينه وبين «جبهة النصرة»، وذلك بعد عامين من الخصومات وتبادل الاتهامات، حتى أن مفتي «جيش الإسلام» الشيخ أبو عبد الرحمن الكعكي طالما وصف «جبهة النصرة» بأنهم خوارج، ولكن على ما يبدو فإن علوش سمع في السعودية كلاماً واضحاً بضرورة التقارب مع «تنظيم القاعدة في بلاد الشام» (جبهة النصرة)، وقد يكون لقاؤه مع الشيخ سليمان العلوان، أحد أكثر المغضوب عليهم من السلطات السعودية (هو بانتظار تنفيذ حكم يقضي بحبسه 15 عاماً)، البوابة التي أتاحت لهذا التقارب أن ينجح، كما لا يمكن التصديق بأن علوش التقى بالعلوان فوق الأراضي السعودية من دون ضوء أخضر أو مباركة من استخباراتها.

وبينما خرج علوش قبل يوم واحد من إعلان تأسيس «الجبهة الإسلامية»، كي يفسر الخلافات السابقة مع «النصرة – فرع القاعدة في الشام» ويعلن أنهما في صف واحد، وأنه سبق والتقى بزعيمها أبو محمد الجولاني، كانت «جبهة النصرة» في اليوم التالي ترد التحية بمثلها حيث باركت تأسيس «الجبهة الإسلامية»، ورأت فيها عبر لسان مسؤولها «الشرعي» أبو ماريا القحطاني جهداً مشكوراً لتوحيد صفوفهم.

علاوة على أن العديد من المصادر تحدثت أن «جبهة النصرة» كانت في صلب المفاوضات بين الفصائل الإسلامية بخصوص تأسيس «الجبهة الإسلامية»، وأنه كان يجري إطلاعها على المجريات أولاً بأول، ما يشير إلى وجود تنسيق عالي المستوى بين «الجبهة الإسلامية» المدعومة سعودياً و«النصرة »، وبهذا أصبحت جبهة النصرة مدعومة سعوديا إضافة إلى الدعم الأمريكي لها. وهذا ما يفسر إصرار السعودية على تحقيق القرار الذي اتخذته السلطات الأمريكية والإسرائيلية من استبدال داعش بالنصرة ودعمها وتعزيزها أكثر من قبل، لتهيمن على كل الجماعات المعارضة ومن ثم تصبح القوة الضاربة للقتال مع قوات النظام والمتحالفين معه وتحقيق مصالح الأطراف الداعمه لها في سوريا.

والملاحظ في هذا الأمر هو التنسيق والتحالف الذي يجري في سوريا بين الولايات المتحدة الأمريكية والسعودية وحليفتها الإمارات إذ اتفق الطرفان على تعزيز وتمويل جبهة النصرة التي كانت في عداد أعداء السعودية، وهذا يعتبر ضربة قاصمة لتركيا وقطر اللتين تمولان هذه الجماعة بغطاء جماعة جيش الفتح التي كانت جبهة النصرة تعد من ركائزها الأساسية.