الأم تريزا وجائزة نوبل

يحتفل العالم هذه الأيام بالذكرى العشرين لوفاة الأم تريزا، الراهبة ذات الأصول الألبانية التى فازت بجائزة نوبل للسلام عام 1979، واشتهرت بخدمة الفقراء والمرضى والمحتاجين.

جاء فوز الأم تريزا بجائزة نوبل للسلام تتويجا للإنجازات العظيمة التى حققتها فى حياتها، أما من وجهة نظرها هى فإن الجائزة كانت بمثابة مأساة. كانت طوال حياتها تطوب إلى حياة الراهبات المتعبدات المتأملات اللواتى يقضين نهارهن فى الصلاة وراء جدران الدير، وفيما يلى قصة حصول هذه الأم الطيبة على هذه الجائزة.

فى السادس عشر من أكتوبر 1979، ذهبت الأم تريزا إلى مأوى العجزة، كعادتها اليومية حين تكون فى مدينة كلكتا الهندية. قامت الأم تريزا بتنظيف جروح رجل مصاب بالبرص، وكانت تكلمه باللغة البنغالية. تمتم الرجل قائلا: “أنا عطشان”. شرب بعض الماء الذى قدمته له الأم، ثم ابتسم وقال بصوت خافت: “شكرا لك”، ثم فاضت روحه، فقالت الأم تريزا: “لقد ذهب إلى وطنه وعلى وجهه ابتسامة”.

وفى الساعة الخامسة بعد ظهر نفس اليوم عادت إلى بيتها، وانزعجت بشدة حين رأت عشرات من مراسلى الصحف والمصورين وغيرهم، وقد احتشدوا حول البيت، بل إن البعض منهم حاول أن يدخل إلى الداخل، على الرغم من أن هذا ممنوع طبقا للتعليمات. تجاهلت الأم تريزا المراسلين، وتوجهت مباشرة إلى إحدى الراهبات تسألها: “ما الذى يفعله هؤلاء أيتها الراهبة؟”. ردت الراهبة بفرحة: “لقد ربحت جائزة نوبل للسلام أيتها الأم، ولقد أتوا للحديث معك”.

التقطت الأم تريزا أنفاسها وقالت: “أرجوك أن تطلبى منهم الانتظار خارجا أيتها الأخت”، ثم انسلت إلى الكنيسة. وفيما كانت الأم تريزا راكعة فى الكنيسة تصلى، قالت: “يا رب، حين كنت فتاة صغيرة اعتدت أن أطلب فى صلاتى أن تجعلنى شهيدة، والذى كنت أقصده هو أن تتيح لى أن أموت حبا فيك، ولم أكن أصلى من أجل حياة أكون فيها تعيسة”.

تمالكت الأم تريزا نفسها وضحكت بصوت عال، دخلت الراهبات الأخريات الكنيسة الواحدة تلو الأخرى، تنبهن إلى صوت ضحكتها وابتسمن. كان يغمرهن شعور بالفرح والامتنان أن عملهن يلقى التقدير وأن العالم بدأ يعرف أشد الناس فقرا، ولكنهن عرفن أيضا ما ينجم عن هذا من ضغط ومعاناة على حبيبتهن الأم تريزا، فهى لم تعد تنتمى إليهن وإلى الفقراء فحسب بل إن العالم كله يدعى الآن أنها تنتمى إليه. قالت الأم تريزا فى نفسها: “إنى لا أستحق الجائزة، لكنى سأتسلمها من أجل الفقراء”. هنا غمر الفرح قلبها، ذلك أن العالم سيأتى ليرى الفقراء ويحبهم.

وحين سافرت الأم تريزا إلى أوسلو لاستلام الجائزة، كان هواء النرويج فى شهر نوفمبر باردا. وقد هبطت الأم تريزا من الطائرة وهى ترتدى كالعادة السارى الهندى البسيط، وفى قدميها صندل متواضع، وفوق السارى كانت ترتدى سترة زرقاء كالتى يرتديها رجال البحرية، وكانت تحمل فى يدها حقيبة من القماش صنعتها بنفسها، حيث كانت تضع فيها كل ما تملكه فى هذا العالم. وقد دهشت الأم تريزا لرؤيتها صفا طويلا من الناس فى انتظارها يمسكون شموعا فى أيديهم. لقد تحدوا برودة الليل ليرحبوا بها، ولم يحظ أحد من الفائزين بجائزة نوبل من قبل بمثل هذا الترحيب.

ولأن مأدبة التكريم والاستقبال كانت دائما من أبرز فقرات الاحتفال بالفائزين بالجائزة، سألت الأم تريزا لجنة جائزة نوبل: “ما المبلغ الذى تنفقونه عادة على المأدبة؟”. وكانت الإجابة حوالى ستة آلاف من الدولارات. قالت الأم تريزا: “هذا يكفى لإطعام أربعمائة شخص من المقيمين لدينا لسنة كاملة، هل من الممكن التفضل بإلغاء المأدبة، وإعطائى النقود؟”. وبعد جدال طويل، وافقت لجنة الجائزة على إلغاء المأدبة ومنحها المبلغ.

وأثناء الاحتفال ساد القاعة المحتشدة بالحاضرين صمت تام فيما توجهت الراهبة النحيفة إلى المنصة، وقد أحنت رأسها تحية للجمهور الهائل وذلك بأسلوبها الهندى التقليدى البسيط. وسلمها رئيس لجنة جائزة نوبل ميداليتها الذهبية وشيك بمائة وتسعين ألف دولا أمريكى. شكرته الأم وابتسمت، ثم انتظرت حتى عاد إلى مقعده، وارتجلت كلمة دون مذكرة حيث قالت: “لنشكر جميعا اللـه فى هذه المناسبة الجميلة، لفرح نشر السلام، وفرح محبة كل منا الآخر، وفرح معرفة أن أشد الناس فقرا هم إخوة وأخوات لنا. لنشكر اللـه من أجل الفرصة التى أتاحها لنا اليوم، لعطية السلام التى تذكرنا بأننا خلقنا لنعيش ذلك السلام”.

وبعد الاحتفال بالجائزة، كان هناك حفل استقبال بسيط، حيث قامت لجنة جائزة نوبل والأم تريزا بتحية الضيوف فردا فردا. ولم تأكل الأم تريزا شيئا على الإطلاق، ولم تشرب سوى كوب من الماء. وفى أثناء الاستقبال، سألها أحد المدعوين: “هل بوسعنا أيتها الأم أن نرى ميداليتك الذهبية؟”، لم تستطع الأم تريزا أن تتذكر أين وضعتها. وظلت الأم تريزا هادئة الأعصاب تصلى، فى الوقت الذى أخذ أصدقائها البحث عنها. وقد وجدت إحدى الراهبات الميدالية وسط كومة من المعاطف الشتوية.

كانت رحلتها إلى أوسلو مناسبة احتفالية لكثيرين من الناس، أما بالنسبة لها، فكانت رحلة معاناة كبيرة. سألها أحد مراسلى الصحف: “بماذا تشعرين أيتها الأم الطيبة حيال فوزك بجائزة نوبل للسلام؟”. قالت الأم تريزا: “إنها نقطة خلاص فى محيط من الآلام، فأنا شخصيا لست جديرة بالجائزة ولا أريدها، غير أن العالم اعترف من خلال هذه الجائزة بوجود الفقراء، ولقد حضرت أنا نيابة عنهم ومن أجلهم”.

وفيما كانت تغادر أوسلو، قالت الأم تريزا لراهبة كانت ترافقها فى الرحلة: “أرجو أن يكون احتفال تسلم الجائزة هو آخر احتفال أدعى لحضوره. بوسعنا استخدام قيمة الجائزة المالية للإنفاق على مرضانا المصابين بالبرص، وعلى فقراءنا، لكن كل هذه الأمور المظهرية تعطل عملنا”. تلك كانت الأم تريزا سفيرة السماء للفقراء، وأنشودة السلام للضعفاء. وبدون شك فإن عالمنا اليوم فى أمس الحاجة إلى شخصيات كثيرة من أمثال الأم تريزا فى كل مدينة وقرية.