الأحزاب المصرية وهامش الحركة المغدور

فى مصر أكثر من مائة حزب لا يستطيع أي مصرى أن يتذكر أسماء عشرة منها، دائما ما تكرر دعاية النظام هذه المقولة فى معرض التأكيد على ضعف الأحزاب وقوة النظام، عبث الأحزاب وجدية النظام، فشل الأحزاب ونجاح النظام.

لا يتحدث أحد عن هامش الحركة الذى أتيح للأحزاب حتى يمكن محاسبتها بعدالة عن نشاطها أو إنجازها.

في أعقاب ثورة يناير وفى ظل حالة اللايقين التى دفعت أركان الدولة العميقة إلى الانحناء، انطلقت موجة من موجات تأسيس الأحزاب، التى تقاسمت ألوان الطيف السياسى فى مصر ما بين ليبرالية وقومية وإسلامية، فشهدنا ميلاد عدد من الأحزاب الحقيقية التى تعبر عن قوى اجتماعية لها حضور حقيقى فى مصر.

ويبدو أن النظام السياسى فور إستعادته مهارات القمع أدرك أن السماح لهذه الأحزاب بهامش حقيقى قد يدفع الى الساحة السياسية ببدائل حقيقية، تهدد الصمت فى مواجهة فشله وأدائه العبثى فى كل الساحات، وتؤسس لتشكل معالم دولة وليس شبه دولة، ومن ثم بدأت تدابير ناعمة برعت فيها الدولة المصرية عبر عقود فى إلزام الأحزاب مقراتها، وحرمانها حتى من عقد مؤتمراتها العامة أو أى فعاليات تؤكد ماهيتها أو أهدافها.

يحب النظام دائما أن يقدم نفسه للعالم باعتباره جاء ليستأنف مسيرة الدولة الوطنية الحديثة، التى تؤمن بالديمقراطية وتعدد الأحزاب وتداول السلطة والمجتمع المدنى والحريات والحقوق بما يتوافق مع الكود الدولى المعروف فى تلك المجالات، والنظام فى ذلك يشبه ذلك الشخص الذى يشترى الشهادات دون أن يحصل أى لون من ألوان العلوم المؤهلة لتلك الشهادات أو ينخرط فى طلب العلوم المؤهلة لها، كما أنه ينزعج لأى شهادة سلبية تسجل تخلفه فى تلك المجالات، وهو لا يدفع هذه التهمة بانخراط مخلص فى تأمين مسارات سياسية حقيقية تسمح للأحزاب والقوى السياسية بالتعبير عن نفسها، وعن مشروعها السياسى عبر برنامج سياسى وتنمية لكوادر أحزابها وبناء رجال دولة يبقون ذخيرة حقيقية لأى حكومة تحظى بثقة الناخبين، طبعا هذا يبدو كلام مغرق فى النظرية والخيال.

معروف أن معادلة الحكم فى مصر منذ عقود لا تترجمها حالة تدافع صحى وسلمي للسلطة من خلال منافسة سلمية، تتوفر فيها أجواء المنافسة الشريفة دون قيود أو عوائق من أى نوع، بل تترجمها حالة تشظى مجتمعىي يحرص النظام على تأبيده بكافة السبل، فى مقابل تجييش وتوحيد لمنظومة الدولة التى تتماهى فيها السلطة التنفيذية مع التشريعية مع القضائية مع جوقة من رجال الإعلام والأعمال، فى عهد وميثاق أسود ألا ندع الأحوال تؤدي إلى موقف مشابه لموقف يناير، ولا الوصول إلى شكل من أشكال الديمقراطية التى تعرفها شعوب الأرض، حيث يبقى هذا الشعب فى نظر النظام غير مؤهل لحرية أو ديمقراطية، وأن منحه أيا منها يغريه بطلب المزيد بما يؤدى إلى الفوضى التى لا تترك حجرا على حجر فى هذا البلد.

يتصور عقل النظام أن السماح بحياة حزبية سيخلق بدائل ستطيح به فور اكتمالها، ومن ثم فهو يجفف منابع الخطر كما يتصور بخلق حالة من حالات اليأس لدى التيارات السياسية، عبر حصار ممنهج لهامش الحركة لمن يصر منهم أن يبقى ضمن دائرة السياسة، فتكون النتيجة إما دفعهم للخروج من بيت السياسة إلى بيت الطاعة، أو الخروج من البلد كلها لمن استطاع إلى ذلك سبيلا، أما من لعبت به الشياطين وتصور أنه قادر على منازلة النظام بالسلاح فقد حقق مراد النظام فى إنهاء وجوده فى الحياة بأيسر سبيل ودون دمعة واحدة حتى.

قبل أن يحاكم أحدكم الأحزاب على ضعف أدائها وفشلها فى تحقيق أى إنجاز، فليحاكم النظام على غلق مسار السياسة ودفع الناس دفعا للصدام أو الإنسحاب بأى طريق.

كل غلق للمجال السياسى أكثر من ذلك لن يراكم سوى غضب فى الصدور يصب فى سردية تيارات العنف، التى تبدو كجمرات مشتعلة تحت رماد يعتقد النظام أن بإمكانه أن يدوسه بأحذيته الثقيلة.

لماذا نراكم الغضب والعداوت بينما بالإمكان أن نفتح مسارات السياسة ونبني البدائل؟ لماذا نستثمر فى صناعة الغضب بديلا عن مشاركة واسعة تنضج البدائل وتفتح أبواب الأمل لمستقبل يستحقه هذا الشعب؟

هل بالإمكان أن تخدع العالم بحديثك عن الديمقراطية وبناء نظام عالمى جديد، وأنت غير راغب فى بناء نظام عادل فى بلدك؟! لا أعرف كيف بالإمكان أن تتحدث عن رفض معايير مزدوجة أنت تكرسها بسلوكك!

افتحوا فضاء السياسة لمن يصر على احترام قواعد الدستور والقانون، قبل أن تخلو الساحة لمن لا يؤمن سوى بالعنف والسلاح، هذه نصحية لمن يعقل داخل أروقة النظام السياسى المصرى.