إصلاح الشعب أولاً

ويبقى السؤال مطروحاً: من المسئول عما نحن فيه؟، وأين الخطأ فيما نحن فيه؟
البعض يلقي تبعة تخلفنا وتراجعنا الحضاري على الحكام، وعلى نظم الحكم، وعلى النخبة الحاكمة بإجمال، وهو صحيح، والمؤكد أن المسئولية الأكبر تقع على عواتقهم، ولكن السؤال الغائب هو:
ـ هل نحن متخلفون بسبب فساد حكامنا، أم أن حكامنا فاسدون بسبب تخلفنا؟
بصياغة أخرى، أو بالأحرى من ناحية أخرى:
ـ هل التغيير يبدأ بإصلاح الشعب؟، أم من إصلاح الحاكم؟
تجاربنا القديمة والحديثة تفرض علينا السؤال، وأعتقد أنه سؤال جوهري، لأنه يحدد بوصلة الاتجاه نحو التغيير المنشود، ولا شك أن كثيرين يعولون على إصلاح الحكم والحاكم، ويتصورون أن تصحيح بعض الأوضاع القانونية هنا وهناك، وأن بعض النصوص الدستورية تضاف أو تحذف، يمكن أن تضمن إصلاحاً للمجتمع تستتبعه نهضة شاملة للأمة من المحيط إلى الخليج.

والبعض يرى أن المشكلة ليست في الحكام، ويقول إذا كانت المشكلة في الحكام فهل يا ترى جاء هؤلاء الحكام من المريخ؟، أم هم من طينة هذا الشعب ومن قلب تخلفه؟
وإذا كان هذا الحاكم فريداً من نوعه؟، فكيف يتكرر فيما يزيد عن عشرين دولة عربية؟
ومن عنده حاكم عليه الطلا يشاور لي عليه؟

الخطأ لا شك هو خطأ الأمة كلها، وعلينا أن نخرج من إتقان دور الضحية، المغلوبة على أمرها.
الحكام مسئولون، ومسئوليتهم عن الحال التي وصلنا إليها كبيرة، ولكن نحن شركاء لا شك في المسئولية عما يجري لنا، نحن نستأهل كل ما يحدث على أرضنا، ونعرف أن ربنا لا يظلم أحداً، نحن من نظلم أنفسنا، والله لا يغير حال قوم إلا بأن يسارعوا إلى تغيير ما بأنفسهم.

وتعالوا نسأل أنفسنا ونضعها أمام الحقيقة، هل احتلت فلسطين لمجرد أن مؤامرة دولية حيكت ضدنا من أول وعد بلفور حتى الاعتراف بتقسيم فلسطين الصادر عن الأمم المتحدة، أم لأننا لم نتعامل مع مطامع الأعداء الظاهرة للعيان بالجدية والمهارة والإخلاص المطلوبين لمواجهة مثل هذه المؤامرة على استقلالنا وحريتنا وشرفنا وكرامتنا ومستقبل أوطاننا؟.

نحن ندين ونشجب ولا نعترف بوعد بلفور، وندين ونشجب كل المؤامرات التي حيكت من أجل زرع إسرائيل في منطقتنا، ولكن ما هي مسؤوليتنا بالضبط عن احتلال فلسطين، أين تبدأ؟ وأين تنتهي؟.

لا يكفي البكاء عند أطلال المؤامرة الدولية التي أرادت أن تقسم أوطاننا بين نفوذ ونفوذ، ولكن يجب أن نفضح مشاركتنا في المسؤولية عن ضياع فلسطين وعن سقوط الأقصى تحت الاحتلال.

إسرائيل قامت ـ أو أقيمت ـ على أشلاء خلافاتنا وتشرذمنا، وهي مستمرة بسبب هذه الخلافات وذلك التشرذم، ولن يكون لها وجود وظيفي كما أراد لها المتآمرون إن توحدت إرادتنا وقبضاتنا.

إسرائيل قامت على أنانيتنا وحرصنا على حياة أية حياة، فانقلبت الآية، يوم كنا نحرص على الموت كانت توهب لنا الحياة، واليوم ونحن نحرص على حياة أية حياة نموت مهانةً كرامتنا، ويكبر الاحتلال فينا حتى أصبح للتعامل معه كحقيقة واقعة وكأمر واقع منظرون، وأصحاب مناصب ومواقع مؤثرة في الحكم وفي الثقافة وفي الصناعة وفي التجارة وفي كل شئون الحياة التي يريدونها على المقاس الذي فصلوه لنا.

حتى نقاط الضوء عندنا نحاول أن نهيل عليها التراب، ننقسم حولها، فنصر حزب الله على إسرائيل نفترق عليه باعتباره نصرا شيعيا لا سنيا، وكأن إسرائيل عاصمة السنة في العالم الإسلامي؟

أحوالنا تنحدر من سيئ إلى أسوأ ومع ذلك لا نحرك ساكناً، يعمل الرجل منا عملين وثلاثة ويتغرب عن بلده، ويلاقي في ذلك الأمرين، من أجل أن يتغلب على بؤس الحياة التي أوصلتنا إليها السياسات القائمة في كثير من بلداننا، ومع ذلك لا يفكر مثل هؤلاء في تغيير الواقع الذي جعلهم كالمربوطين في ساقية من أجل الحصول على لقمة العيش التي ربما تكون مغموسة في الذل وغلبة الدين وقهر الرجال.

ننافق حكامنا طول النهار، وننكت عليهم طول الليل، طالبنا نصف طالب، وصانعنا نصف عامل، ومزارعنا أدمنت الكيماويات والسموم، والإتقان عملة نادرة لدينا، وإنتاجنا لا يكفينا، ولا هو ينافس في السوق العالمية، انحدرت أخلاقنا وأصبحنا غربانا نقلد فلا بقينا على حالنا التي تلائمنا ولا صرنا مثل من نقلد، في منتصف السكة إلى الحياة توقفت بنا الحياة، استوردنا كل مساوئ المجتمعات ولم نستطع استيعاب أفضل ما في هؤلاء الذين صاروا مثلنا الأعلى، صاروا أعدائنا هم مثلنا الأعلى.

الأمم كلها تتحرك إلا نحن، حركتنا بطيئة وبليدة، دعاة الإصلاح بحت أصواتهم وسجنوا وأعدموا ونحن كأننا معصوبي الأعين، صم بكم فهم لا يعقلون.

يأتي الحاكم إلى الحكم وهو يتحسس طريقه، ويعمل للشعب ألف حساب ويظن به الظنون الطيبة فإذا به يكتشف بعد قليل أنه أمام كتل جبانة خوافة يتملقونه بدلاً من أن يحاسبوه، ويقبلون قدميه، بدلاً من أن يرجموه، وقديما قالوا: يا فرعون ما الذي فرعنك، قال لهم: لم أجد شعبا يوقفني عند حدي؟

نحن الذين ندفع ثمن ما نحن فيه، ندفعه من كرامتنا ومن شقائنا ومعاناتنا وشعورنا بالهوان السياسي والحضاري، ينتحر الحساسون من شبابنا، ويصاب بالسكر والضغط الكثير منهم، وتمتلأ المعتقلات والسجون بخيرة شبابنا، وتتحول الحياة كئيبة كلها يأس وإحباط، ومع ذلك نظل متبلدين وكأننا نواجه أقداراً مكتوبة علينا لا يد لنا في تغييرها والتأثير فيها.

أعتقد أن الخطأ في منهجية التفكير، وأنا بصراحة لا أجد أي أمل في أي تغيير جوهري إن بدأنا من فوق، التغيير يجب أن يبدأ من تحت، من الناس، من أخلاقهم، من عاداتهم، من أفكارهم، من طريقة تفكيرهم، من طريقة حياتهم، من هذا الراسخ لديهم وكثيره خطأ، وبعضه خطيئة.

جهودنا للأسف منصبة على النخب، والتي هي في الغالب مقتنعة بما نقول مما يجعل الأمر شبيها بمن يدعو الملتزمين إلى الصلاة في الجامع، هذا عمل مشكور، ولكنه غير كاف، ولكن المطلوب هو البحث عن أفكار جديدة تؤسس لتغيير جماعي ومجتمعي في الوطن العربي كله، وعلى كل المستويات، والبداية من إصلاح الشعب أولاً.