إرهابي في كُل بيت

تأخذنا الذاكرة أحياناً إلى ما هو أبعد من أحداث الأمس القريب والأحداث الجارية، فنتذكّر بلاداً وحيوات لم يبق منها الآن سوى الاسم وبقعة صفراء على الخريطة. نبحث ونزيد في البحث فترتسم فوق تلك الأرض المتصحّرة خضرة وبيوت وطرق معبّدة وبشر تسير هنا وهناك سعياً لكسب الرزق وجلب السعادة كوقودين محركَين للحياة، ونعود بالذاكرة لندرك كيف كنّا نتعامل مع أخبار الدماء والموت بقلوب متمزّقة وعقول تدهشها شهوة القتل عند هذا وذاك، هذا القاتل الذي فعل فعلته وهرب وذاك المُخطِط الذي يجلس خلف الكاميرات ليعلن مسؤوليّته عن موت البشر.

نتذكّر كيف كنّا ننظر لشخص ذلك “الإرهابيّ” ونتخيّل تكوينه الجسماني والعقلي، تركيبته النفسية التي تدفعه لتصديق أن ما يفعله هو الخير المُطلق والصَلاح الحَتمِيّ. نتخيّل شخصاً يرى في فقدان أم لأبنائها إرضاءً لله، يرى في الموت نجاة وانتصار. نتخيّل ولا نصل إلى نتائج، فقد كان القاتل هارباً، يخرج من جُحرٍ ويعود إليه بأيادٍ اصطبغت بلون الدماء ولم نكن نراه أو نسمعه.

واليوم، وها نحن نرى ما شقّت يده من طرق في وادينا وقد امتلأ بمن يسيرون خطوة فخطوة إلى ما هو أبعد من ذلك، نرى من يقتل ولا يهرب. وها نحن من جديد نواجه لحماً ودماً أكثر وضوحاً من صور اجتهاديّة قمنا ببنائها في خيالنا البريء، والذي لم يعد كذلك.

انتقل الإرهاب اليوم من مرحلة القتل والركض إلى مرحلة الذبح والمكوث، فأصبحت التنظيمات مشاريع دول متنقّلة وتعدّت مرحلة “المطاريد” الذين يسكنون الجبال والأودية إلى مرحلة الحاكم الآمر الناهي الذي يسيطر على الأرض وأهلها وحتّى جثث من قُتلوا في حربه، نعم تجاوز الأمر مرحلة “العمليّة” إلى مرحلة “الحرب”.

وتحوّل الشخص المجهول شبه الآدمي إلى زميلك الذي كان يجلس إلى جوارك في الفصل المدرسي أو مدرّج الجامعة، أو صديقك الذي كان يشاركك كوب الشاي في المقهى أو جارك الذي بادلك تحيّة الصباح والمساء خلال دخولك وخروجك إلى ومن المنزل. فبات الأمر واضحاً إلى أبعد حد وأضحت دراسته أكثر سهولة وألماً على حدٍ سواء.

فالأفكار التي جعلت من الطفل الذي بكى ضحايا أحداث الحادي عشر من سبتمبر إرهابياً اليوم، لم تكن محاولة تجنيد الجماعات له ولم تكن غواية المال، بل كانت نفس ما تعرضت أنت وأنا إليه من تجهيل ونصف معرفة وتصنيف عنصري يُقحم على الفطرة الإنسانيّة السليمة، أفكار وُلِدَت من سقطات المُجتمعات التي تجاهلناها إلى أن تضخّمت السقطات وأصبحت هَوَساً، وأصبح الهَوَس منهجاً، وأصبح للمنهج سلاحاً يقتل من يعاديه وحصناً يتمسّح في الدين ولا يجد من يعارضه.

فحينما تغذّت النفس الناقصة على عناصر التفضيل غير المُكتسبة، حينما شاء أول أب أن يُخبر ابنه بأنه أفضل من “فلان” الكافر وأطهر من “فلانة” الفاجرة، حينها استندت نفسه على سور تفضيليّ يجعله أفضل من الآخرين دون بذل جهد وأصبح عليه فقط أن يزهو بنفسه التي أصبحت على ما هي عليه دون الاحتياج لفعل الخير أو تطوير النفس أو إصلاح المجتمع. وكلما كبر هذا الابن كبرت معه فكرته المريحة وكبرت أمامها التحديات، كبر ما يهدد عرشه الذي قامت الأسرة وقام المجتمع ببنائه أسفله، اتسعت الحياة وفاض المجتمع بنماذج بشريّة قد تهزّ مفاهيمه أمام نفسه ولم يكن أمامه سوى حمل السلاح دفاعاً عن مملكته التي بُنيت بداخله، والتي أضحت ترى في المجتمع السوي عدوّاً وفي الأرض حق مكتسب وطبيعي، وبدأ سفك الدماء وحلم المكوث فوقه، وأصبح الإرهاب إرهاباً.