“أيلول الأسود”.. ذكرى أليمة في دفتر الشتات

في السادس من أيلول/سبتمبر عام 1970، اختطفت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين خمس طائرات أجنبية، وجهوا ثلاثة منهم إلى مطار “داوسون” وهو قاعدة بريطانية قديمة في الأردن، واحتجزوا جميع المسافرين كرهائن مقابل إطلاق سراح الفدائيين المحتجزين في بريطانيا وسويسرا وإسرائيل.

كانت هذه العملية واحدة من العمليات النوعية التي تبنتها الجبهة الشعبية عقب هزيمة 1967، حين ظهر تحليل يشير إلى أن الكيان الصهيوني يقوم على ثلاثة ركائز “الاقتصاد والعنصر البشري والمؤسسة العسكرية” وضرب أي واحدة منهم خطوة مهمة في استنزاف العدو كمقدمة للانتصار عليه، وكانت العملية النوعية تعتمد على توجيه ضربات متنوعة داخل الكيان الصهويني وخارجه، وجاءت فكرة اختطاف كأداة ضغط للإفراج عن المقاتلين الفلسطنيين داخل السجون الإسرائيلية والأوروبية.

على الجانب الآخر كانت المقاومة الفلسطينية المتمركزة في الأردن، تعاني من علاقة متوترة مع الجيش الأردني والملك حسين، وقد شهدت الأشهر السابقة لشهر أيلول/سبتمبر العديد من المواجهات الدامية بين فصائل المقاومة ووحدات الجيش الأردني، ووجد الملك حسين في حادثة اختطاف الثلاث طائرات فرصة كبيرة من أجل تصفية المقاومة الفلسطينية، وبالفعل نتج عن مواجهات “أيلول الأسود” الدامية خروج المقاومة الفلسطينية من الأردن بعد سقوط عدد كبير من الضحايا يتراوح ما بين مئات لعدة الآف.

كغيرها من الأحداث التاريخية العربية، لا يوجد حتى الآن رواية موثقة وموضوعية تحلل وتروي ما حدث، فالرواية الرسمية الأردنية تشير إلى وقوع عشرات من القتلى فقط، وتلقي بالمسؤولية كاملة على فصائل المقاومة التي لم تتلزم بالتعهدات والقرارات المختلفة سواء الأردنية أو العربية أو الدولية، بالإضافة لمحاولة إغتيال الملك حسين، بينما تشير الرواية الفلسطينية لعكس ذلك حيث تتهم الملك حسين بالخيانة والإستعانه بالإحتلال الإسرائيلي لتدعيم سلطته ونفوذه، وتؤكد على كون الضحايا الفلسطنين من الفدائيين وسكان المخيمات العزل يقدر بعدة آلاف سحقتهم قوات الجيش الأردني.

نكسة 1967

عقب نكسة 1967 بدأت حركة فتح والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في رفع الروح المعنوية العربية، عبر شن عمليات متنوعة بتكتيات جديدة ضد المحتل الإسرائيلي، انطلقت معظم هذه العمليات من الأراضي الأردنية، بالتزامن مع عمليات الفدائيين المصريين ومعهم بعض وحدات من الجيش المصري التي أعيد بنائها عقب النكسة، ونتج عن هذه المواجهات خسائر كبير للعدو الصهيوني، كما حدث في معركة “الكرامة” عام 1968، حين قامت قوات الإحتلال الاسرائيلي بشن عملية عسكرية على بلدة الكرامة الحدودية شرقي نهر الأردن حيث تنتشر قواعد الفدائيين، ونتج عن هذه المواجهة انسحاب الجيش الاسرائيلي بعد أن خلّف وراءه 28 قتيلا و90 جريحاً وأربع دبابات وخمس عربات عسكرية، وسقوط إحدى طائراته، واعتبرت هذه المعركة أول انتصار عربي ضد الاحتلال الاسرائيلي.

عقب معركة “الكرامة” زادت المقاومة من عمليتها ضد العدو الإسرائيلي وطورت من تسلحيها وزاد الدعم العربي لها على مستوى الشعوب والأنظمة، وسط هذه الأجواء وقعت مواجهات عنيفة بين الفدائيين الفلسطنين والجيش الأردني سقط فيها عشرات الضحايا من الجانين، وشعر الملك حسين بفقدانه السيطرة على مجريات الأمور، وفي شهر فبراير عام 1970 اتخذ مجلس الوزراء الأردني عدة قرارات بهدف الحد من نفوذ وقوة فصائل المقاومة الفلسطينية، من أبرزها : حظر حيازة الأسلحة ونقلها، ومنع المسيرات والاجتماعات العامة، وفرض الرقابة على المطبوعات وعلى العمل الحزبي، وشهدت الشهور التالية زيادة حدة المواجهات بين فصائل المقاومة والجيش الأردني، وخاصة بعد قبول جمال عبد الناصر ثم الملك حسين بمبادرة “روجرز” لوقف إطلاق النار في يوليو 1970، وهو ما يعني وقف أي عمليات للمقاومة الفلسطينية تنطلق من الأراضي الأردنية.

أيلول الأسود

في اليوم الأول من شهرأيلول/سبتمبر تعرض موكب الملك لحسين لمحاولة اغتيال، بإطلاق نار على موكبه في العاصمة عمان، وفي اليوم السادس من أيلول/ سبتمبر اختطفت الجبهة الشعبية الطائرات الثلاث ووجهتهم إلى الأردن، ووجد الملك حسين فرصة كبيرة لتصفية المقاومة بدعم دولي، وبعد فشل المفاوضات مع فصائل المقاومة، قرر الملك حسين تشكيل حكومة عسكرية، وأعلنت الأحكام العرفية في الأردن كله. وفي يوم 17 سبتمبر، اقتحم اللواء 60 المدرع مدينة عمان، وشرع في قصف مخيمي الوحدات والحسين. ووقعت معركة دامية استمرت اثني عشر يوماً، وانتهت بالاتفاق على خروج منظمات المقاومة من العاصمة عمان وضواحيها. وسقط في هذه المعركة الآف من القتلى والجرحى.

في هذه الأثناء دعى جمال عبد الناصر إلى قمة عربية استثنائية لبحث الأوضاع في الأردن، وتم الاتفاق على بقاء بعض مكاتب منظمة التحرير الفلسطينية في عمان، والإبقاء على بعض القواعد العسكرية في شمال الأردن، إلا أنه بعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر في 28 سبتمبر عام 1970 ، قام الملك حسين بإخلاء عمان من أي وجود للمقاومة الفلسطينية، وشن حملة اعتقالات لكل من كانت له علاقة بالمنظمات الفدائية الفلسطينية، و مع بداية عام 1971 خرجت فصائل المقاومة الفسلطينية من الأردن، لتبدء مرحلة جديدة من الشتات.