«أستانا 6» تستسلم للواقع.. ولافروف يحسم موقف المعارضة السورية

مع اقتراب الجيش السوري من حسم العملية العسكرية في مدينة دير الزور، وتغير الكثير من التوجهات السياسية للعديد من الدول الفاعلة في الأزمة السورية أمثال السعودية وقطر وفرنسا وبريطانيا، والتقارب التركي الإيراني الأخير، ورفع أمريكا يدها قليلًا عن إدارة الملف السوري بعد أن أثبتت فشلها فيه خلال 6 سنوات من الأزمة، وتزامن كل هذه الأحداث مع اقتراب موعد انطلاق الجولة السادسة من محادثات “أستانا” في العاصمة الكازاخستانية، تنطلق المؤشرات التفاؤلية لدى العديد من المراقبين بقرب انتهاء الأزمة السورية عسكريًا من خلال ترجيح الجيش السوري كفة ميزان القوة لصالحه، وسياسيًا من خلال اتفاق كافة أطراف الأزمة على الخروج منها بأقل الخسائر.

تركيا تتراجع وتتجه نحو إيران

بدأت مؤشرات التفاؤل تتزايد مع اقتراب الجولة السادسة من مفاوضات أستانا، والتي ستعقد بين 13 و15 من الشهر الجاري، حيث حسم الجيش السوري العديد من المعادلات العسكرية والسياسية، وبقيت الخيارات قليلة أمام الدول الضالعة في الأزمة، فرحيل الرئيس السوري بشار الأسد، بات دربًا من دروب الخيال، والحديث عن تقسيم وتفكيك سوريا بات بعيدًا عن الحقيقة، الأمر الذي دفع العديد من الدول التي ساقت مثل هذه المخططات وعملت على تنفيذها طوال عمر الأزمة إلى النزول على الأرض والإقرار بصعوبة تنفيذ أهدافها في سوريا، فاضطرت إلى خفض سقف أحلامها ليقترب من الواقع الملموس على طاولة المفاوضات وعلى أرض المعركة.

الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، كان أول المحبطين بعد أن تخلت عنه أمريكا في سوريا، وانشغلت كل من قطر والسعودية في أزماتها الداخلية والخارجية الأخرى، وهيمن التحالف الروسي السوري الإيراني على ميزان القوة هناك، فما كان من أردوغان إلا الرجوع خطوات إلى الخلف والبحث عن شريك سياسي يضمن له الخروج بأقل الخسائر من الأزمة السورية، فكان التقارب مع إيران هو الحل الأمثل، حيث شهدت الأسابيع الأخيرة الماضية تنسيقات غير مسبوقة بين إيران وتركيا، لتكتمل باجتماع عقد بين الرئيسين التركي ونظيره الإيراني حسن روحاني، في العاصمة الكازاخية أستانا، وذلك على هامش قمة منظمة التعاون الإسلامي للعلوم والتكنولوجيا، التي من المقرر أن تنطلق اليوم الأحد لتستمر حتى غد الإثنين، وقالت مصادر رئاسية إن اللقاء بين الرئيسين جرى في فندق “ريكسوس”، مشيرة إلى أن اللقاء كان مغلقًا، واستمر لنحو ساعة.

على هامش اللقاء، عبر الرئيس التركي عن تفاؤله بكون جولة أستانا المقبلة ستكون مرحلة نهائية للتفاوض على حل أزمة سوريا، وأعرب أردوغان، عن أمله باتخاذ قرارات ملموسة عقب نتائج الجولة السادسة من المفاوضات، قائلًا، خلال اجتماع مصغر مع الرئيس الكازاخي نور سلطان نازاربايي: الاجتماع القادم في أستانا مهم جدًا، وكما أبلغت فإن الأعمال التحضيرية قد اكتملت تقريبًا، وأعتقد أنه سيكون هناك قرارات ملموسة خلال هذه المفاوضات.

التقارب الإيراني التركي دفع القيادة في أنقرة إلى طرح اقتراح جديد حول مناطق تخفيف التصعيد وجنسيات القوات المراقبة لها، خاصة مع ترجيح أن تشهد الجولة القادمة من أستانا مناقشة عدد من الاتفاقات تتعلق بمنطقة تخفيف التصعيد في إدلب، وحدود المناطق الأمنية المحيطة بمناطق خفض التصعيد، وعديد القوات المراقبة وجنسياتها، حيث اقترحت تركيا انتشار قوات روسية في دمشق ومحيطها، وإيرانية في حماة وريفها، وأمريكية وأردنية في جنوب سوريا، وتركية في إدلب، ويعتبر هذا الاقتراح تطويرًا لمقترح سابق طرحته أنقرة قبل نحو شهرين، وينص على انتشار قوات روسية وإيرانية في دمشق، وتركية في إدلب، وأمريكية وأردنية في منطقة جنوب سوريا.

تفاؤل روسي وتراجع فرنسي

تصريحات أردوغان خلال لقائه مع الرئيس الكازاخي ونظيره الإيراني، سبقتها تصريحات تفاؤلية روسية أيضًا صدرت عن وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، حيث أعلن أن الأطراف المشاركة في الجولة السادسة من مفاوضات أستانا، متفقة على إنهاء الحرب، لكن بحث توازن القوى بين المصالح المتناقضة هو من أهم الصعوبات، معربًا عن أمله في الاتفاق بخصوص منطقة خفض التصعيد الرابعة في إدلب، وأضاف أنه يسعى إلى حوار مباشر وشامل بين المعارضة السورية والحكومة السورية في جنيف.

على جانب آخر، فقد أكد وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان، الجمعة الماضية، أن رحيل الرئيس السوري بشار الأسد، ليس شرطًا لاستئناف المفاوضات، فيما قال المبعوث الأممي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا، إن على المعارضة أن تدرك أنها لم تفز بالحرب.

في ذات الإطار، أكدت وكالة “بلومبرج” الأمريكية، في تقرير لها بعنوان “آخر المستسلمين”، على أن السعودية قد لحقت بركب أمريكا وأوروبا في القبول ببقاء الرئيس السوري بشار الأسد في سوريا، وضرورة تنسيق العمل مع روسيا للوصول إلى تسوية كاملة وحل شامل، بشأن تلك الحرب الدائرة منذ 6 سنوات، ووفقًا لـ”بلومبرج” فإن ما يثبت تلك الفرضية هو استضافة الرياض لمجموعات المعارضة لحثها على الاتفاق مع الفصائل المتشددة على ضرورة أن يكونوا أقل إصرارًا على رحيله الفوري، فيما تُعد زيارة لافروف، إلى الرياض، وزيارة الملك سلمان المرتقبة إلى موسكو، دليلًا آخر على أن السعودية بدأت فعليًا في الاستسلام والتراجع عن موقفها المتشدد بشأن سوريا.

المعارضة تشارك

في إطار التحضير للجولة السادسة من “أستانا”، كشف وزير خارجية كازاخستان، خيرت عبد الرحمنوف، أن المعارضة السورية المسلحة أكدت بشكل مبدئي مشاركتها في المفاوضات، وقال عبد الرحمنوف، إن تركيا تعمل بنشاط على القضايا الجوهرية للمفاوضات القادمة، بما في ذلك مسألة مشاركة المعارضة السورية المسلحة، مضيفًا أنها أكدت حضورها بشكل مبدئي.

تظل مشاركة المعارضة السورية نقطة نقاش وجدل في الأوساط السياسية، حيث تدور التساؤلات حول شكل الوفد الذي سيشارك في مفاوضات أستانا والجولة القادمة من محادثات جنيف، فهل سيتم تشكيل وفد موحد من المعارضة؟ أم ستختلف المصالح بين الوفود لتتشرذم المعارضة من جديد؟

يرى العديد من السياسيين والمراقبين أن جولة وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، إلى السعودية والأردن في هذا التوقيت جاءت لهذا الهدف، حيث تهدف الجولة في الأساس إلى تنسيق العمل على توحيد صفوف المعارضة، خاصة بعد أن بادرت السعودية بطرح هذا الأمر، وهو ما لاقى دعم روسيا بشكل كبير، حيث أكد لافروف، على أن عملية جنيف للتفاوض بين السوريين بلغت “الكتلة الحرجة” الضرورية لإطلاق حوار مباشر وموضوعي، مضيفًا: في هذه الجهود يقدم لنا شركاؤنا الإقليميون مساعدة كبيرة، ومنهم بالدرجة الأولى السعودية التي طرحت مبادرة لتوحيد كافة أطياف المعارضة، مؤكدًا أن روسيا تدعم الجهود السعودية بنشاط، مشددة على ضرورة توحيد صفوف المعارضة.