أبو فهر.. وتحقيق “طبقات الشعراء”

لم تنته جهود الشيخ محمود شاكر تجاه كتاب طبقات فحول الشعراء لابن سلام الجمحي بتحقيق الكتاب وطبعه وخروجه إلى النور.. فقد ظل الشيخ يأمل في إصدار يليق بالكتاب وصاحبه، لاسيما بعد أن حصل على مخطوطة أخرى للكتاب جاءته من المدينة المنورة، فبدأ بعقد المقارنة بين المخطوطتين، الأولى التي حازها من أوراق السيد أمين الخانجي، وذكرنا قصتها في المقال السابق،( هنا ) والثانية التي جاءته من مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم.

أعد شاكر ثبتا بعدد “الخروم” في كل مخطوط، وصفة الخط فيهما، مشرقيا كان أم مغربيا، مثبتا أن مخطوطة المدينة هي نسخة مختصرة عن نسخة الخانجي، ثم سار في تكملة الأحرف الساقطة، وضبط عبارات الكتاب، بطريقة عربية فريدة، بعيدا عن أساليب المستشرقين، الذين راعوا في تحقيقهم لكتب التراث الاعتماد على قواعد تسهل لغير العرب فهم الكتاب، وتقريب الناقص من الأحرف والكلمات، وتقريب لغة عصر المؤلف، بإثبات ما يقصده ببعض الألفاظ، وتوضيح مفهوم ودلالة الكلمة في هذا العصر.. وهي أثقال كان يرفضها شاكر، ويراها عدوانا على الكتاب ومؤلفه.

لقد طبق شاكر مذهبه في التعامل مع النصوص العربية، على ما حققه من كتب الأعلام، فالرجل قد اختار لنفسه طريقا ومنهاجا، أسماه “منهج التذوق”، وقد بذل جهدا كبيرا في توضيحه، إلا أن أكثر المهتمين بإنتاج أبي فهر يرون أن فهم هذا المنهج الخاص لا يتأتى بشرح أو توضيح، وإنما يدرك من خلال الاطلاع على إنتاج شاكر الأدبي، ومعاركه الكبرى التي خاضها مع طه حسين أو لويس عوض، وأيضا يُدرك هذا المنهج من خلال طريقة الفذة في تحقيق كتب الأعلام… لقد كانت علاقة الرجل بالنصوص العربية علاقة أشبه بـ”الحلول والاتحاد”، إذ خالط شاكر نصوص العرب بلحمه وشحمه ودمه، فكان بمقدوره أن يعرف الأصيل من الدخيل، والحقيقي من المزيف، بمجرد إعادة قراءة النص، وإخضاعه لمنهج التذوق.

وللدكتور محمود الطناحي، وهو من أبرز تلاميذ شاكر، كلاما في وصف أسلوب أبي فهر، يجدر بنا أن نتأمله، يقول الطناحي: “إن أسلوبه يبهرك جماله فيعجزك عن وصفه… فهو أسلوب لا يشبهه أسلوب لا في القديم ولا في الحديث، إنه أسلوب انحدر من سلالة كريمة، وإن قدرته على التذوق التي واتته بعد دربة طويلة متوارثة انطلقت من الشعر الجاهلي الذي هو أنبل كلام العرب وأشرفه بعد القرآن الكريم.. ثم نمت هذه الدربة عند شيخنا بطول مدارسته للقرآن الكريم… وقد أفضى به ذلك إلى الإحساس العميق باللفظ العربي في ترجيعه ونغمته، في الدلالة والألفاظ والتركيب والصور”.

أما أبو فهر فيتحدث عن منهج التذوق بفخر وإعزاز فيقول: “ونحن أبناء هذا اللسان العربي المبين، قد قام أصل حضارتنا على التذوق في الجاهلية الغابرة، وفي الإسلام الباقي بحمد الله، وبلغ التذوق بنا مبلغا سَنيا فريدا”.

ولأن العصر عصر كبار، محققين مدققين، فقد أثار العنوان الذي اعتمده شاكر للكتاب اعتراضات من عدد من أهل العلم والتحقيق، فقد اعتمد شاكر عنوان “طبقات فحول الشعراء”، بينما رأى المعترضون أن اسم الكتاب هو “طبقات الشعراء”.. دون لفظة “فحول”!!..

وفي كتابها قصة قلم، تنقل الأستاذة عايدة الشريف، وهي من أوفى تلاميذ الشيخ، رده على اثنين من المعترضين على العنوان، هما السيد أحمد صقر (المحقق الشهير) والدكتور مصطفى مندور.. يقول أبو فهر: “ومعذرة إلى الأستاذين الجليلين، إذا خالفت ما أثارا من الرأي مرة أخرى، لا لأني غير مقتنع بما ذكرا من الحجة على فساد رأيي، وقبح جرأتي، بل لأن مصورة المخطوطة قد فصلت ما بيني وبينهما، وكنت قد قلت في مقدمة الطبعة السالفة، حين ذكرت أسباب عدولي عن تسمية الكتاب: “طبقات الشعراء” ما نصه “وآخرها.. أني رأيت على نسختي التي نقلتها بيدي هذا العنوان “طبقات فحول الشعراء”.. ويستطرد شاكر ساخرا: فلست أدري بعد هذا الزمان الطويل، أكانت هذه الكلمة في الأم العتيقة، ثم نقلتها كما هي، أم تراني كتبتها من عندي؟.

ثم يواصل أبو فهر: وأنا أرجح الأولى، أي أن العنوان الأول كان “طبقات فحول الشعراء”… لأني كنت يومئذ صغيرا، لم أتجاوز السابعة عشر من عمري، ولاني يومئذ في أول الطلب، وأجهل من أن أنظر نظرا صحيحا في مثل هذا الأمر الدقيق، المحتاج إلى التميز والبصر… فالآن، وقد ظفرت بمصورة من المخطوطة، ونشرت صورتها في أول الأوراق المصورة، أرى أن الفصل في القضية لا يحتاج إلى برهان أدعيه على رأي أراه استنباطا، بل ما في المخطوطة هو الفيصل.. وكنت أتمنى أن تكون المخطوطة تحت يدي، لأن معانيها تكون أدق وأوضح، والتصوير يخفي بعض ملامح الحروف، ومع ذلك فإن عنوان الكتاب في المصورة التي عندي، فيه وضوح كاف، وقد رأيت على عنوان الكتاب تلطيخا أسود أخفى الباء والألف والتاء في لفظة “كتاب”، وبقي واضحا بعد الطاء والباء والقاف والألف من لفظة “طبقات”، ثم جاء محو فأخفى جزءا من تاء “طبقات”، وبقيت نقطتا التاء ظاهرتين، وفوق ألف “طبقا” رأس فاء جلية واضحة، وما بعدها محو، ثم يظهر بعد المحو حوض اللام الممدودة، هكذا ” ـــــــــــ “، وفوق هذا الحوض ظهرت الشين والعين والراء والألف من لفظ “الشعراء” وأكاد أقطع اليوم أني قرأتها كذلك لما كانت المخطوطة في حوزتي سنة 1925، وأني لم أكتب على نسختي التي نقلتها بيدي لفظ “طبقات فحول الشعراء” إلا استنادا إلى وضوحها في المخطوطة، لأني بيقين، كنت يومئذ صغيرا لا أحسن الاجتهاد في الرأي، وأجهل من أن أنظر نظرا صحيحا في أمر تغيير تسمية الكتاب.

أي رجل كنت أبا فهر؟ .. وأي حسرة تملأ القلوب على ساحتنا التي خلت إلا من الصغار والأقزام والملفقين؟..

في عيد ميلاده السبعين، اجتمع أبرز تلاميذ شاكر، وأهدوا له الأبحاث والكلمات: الدكتور إحسان عباس “فلسطين”، الدكتور إحسان النص “سوريا”، القاضي إسماعيل بن علي الأكوع “اليمن”، الدكتور حمد عبيد الكبيسي “العراق”، الدكتور عبد السلام الهراس “المغرب”، الدكتور عبد الله الطيب “السودان”، الدكتور عبد الله عبد الرحيم عسيلان “السعودية”، الدكتور محمد حسن عواد “الأردن”، الدكتور محمد يوسف نجم “فلسطين”… ثم عدد كبير من أعلام الدراسات الأدبية في مصر، ومن بينهم العلامة محمد مصطفى هدارة، والدكاترة: محمود الطناحي، وأحمد مختار عمر، وحسين نصار، وعادل سليمان، ومحمد عبد الخالق عضيمة، ومحمود علي مكي، وأيمن فؤاد السيد.

وحين حصل الأستاذ محمود إبراهيم الرضواني على “الماجستير” بدراسته عن “شيخ العربية وحامل لوائها أبو فهر محمود محمد شاكر”… قال الدكتور محمود الربيعي: في الطريق رسالتا دكتوراه، أولاهما عن طريقة التنقيط في كتب محمود شاكر، والأخرى في طريقته في فهرسة كتبه!! .. رحمه الله.