هدفك فى الحياة

كنت فى التاسعة من عمرى، عندما تخرج أخى الأكبر من كلية الهندسة قسم العمارة، وقبل أن يكمل العام على تخرجه أصيب بمرض فى العظام يؤدى للموت شيئا فشيئا، نفس المرض الذى أودى بحياة الفنان محمد فوزى، ففضل أخى أن يموت واقفا على قدميه، وانتحر من فوق برج القاهرة وهو فى الثالثة والعشرين من عمره. ومن شدة الصدمة والحزن، كبرت والدتى عشر سنوات فى ليلة واحدة، وتمحور كل أملها فى الحياة فى شخصى أنا، ففرضت على حلما لم يكن حلمى الشخصى، أن أدخل كلية الهندسة وأصبح مهندسا معماريا لأكمل مشوار أخى المتوفى.

ورغم أننى كنت متفوقا فى الرسم وكل من يرى رسوماتى وأنا صغير كان ينصحنى بدخول كلية الفنون الجميلة، فقد قتلت هذه الفكرة داخلى تحقيقا لرغبة والدتى، حتى أننى لم أتقدم لاختبار قدرات الفنون عندما بلغت الثانوية العامة. وحدث أننى لم أستطع أن أحقق المجموع المطلوب لدخول كلية الهندسة، فلم ألتحق بها ولا بكلية الفنون الجميلة أيضا. ودخلت كلية العلوم تحقيقا لرغبة والدى هذه المرة، الذى كان مخترعا ويشتغل بمجال الاختراعات والابتكارات. وبدأت الدراسة وانتظمت فى كلية العلوم جامعة القاهرة.

وبعد شهرين من الدراسة، وفى يوم كئيب موحش وجدت نفسى جالسا على مكتبى محاط بكتب الفيزياء والكيمياء والرياضيات البحتة محدقا خارج النافذة، وجال بخاطرى تلك الأفكار: أنا إنسان بائس، أنا إنسان حزين، لما أنا بائس وحزين هكذا؟ ما الذى أفعله؟ إننى لا أرغب فى أن أكون معلما للفيزياء أو الكيمياء فى مدرسة، أو باحثا فى المركز القومى للبحوث، أو حتى أستاذا فى كلية العلوم. وبعد ذلك، سألت نفسى: ما المهنة التى يمكن أن أحبها بشدة لدرجة تجعلنى مستعدا للعمل بها مجانا، ومع ذلك يمكننى بالفعل أن أتلقى أجرا جيدا أو مناسبا عنها؟ إنها ليست مهنة معلم فى مدرسة إعدادية أو ثانوية بالتأكيد، ليست تلك هى المهنة المناسبة لى، ثم أعدت التفكير مرة أخرى فى جميع الأشياء التى قمت بها فى حياتى، والأشياء التى كانت تجعلنى أشعر بأقصى سعادة، ثم خطرت لى الإجابة فجأة: إنه الفن.

لقد كانت رسومات الكاريكاتير التى كنت أرسمها فى العطلة الصيفية، واللوحات الفنية التى كنت أعرضها فى فصول ومعارض المدرسة، تجعلنى فى قمة السعادة والشعور بالمتعة. كيف كنت بهذا الجهل؟ هأنذا فى السنة الأولى من سنوات الدراسة الجامعية، واكتشفت لتوى أننى أسير فى الطريق الخطأ ولا أفعل الشىء الصواب. لقد كان الشىء أمامى طوال الوقت، ولكننى كنت أريد أن أحقق أحلام أبى وأمى، وتناسيت غافلا أو متعمدا أحلامى أنا.

وفى غمرة شعورى بالنشوة والبهجة تجاه التبصر الجديد الذى توصلت إليه، تقدمت بأوراقى إلى إحدى المدارس الحكومية لأعيد الثانوية العامة من المنازل، وقد اتخذت تلك الخطوة الضخمة من وراء والدى حتى لا يمنعنى من تنفيذها أو يدفعنى للتفكير فيها مرة أخرى. وعلى الرغم من أن هذا القرار كان سيكلفنى سنة إضافية قبل أن أتمكن من التخرج فى الجامعة أو فى الواقع سنتين إضافيتين؛ لأن الدراسة بكلية الفنون الجميلة تستغرق خمس سنوات وليس أربعة فحسب كما فى كلية العلوم، فإننى اتخذت القرار الصعب بمفردى ونجحت فى الالتحاق بكلية الفنون الجميلة، واكتشفت أننى قد اتخذت القرار السليم عندما وجدت نفسى أستمتع بكل دقيقة أمضيها فى مراسم الكلية وداخل أسوارها، بل وتفوقت فى الدراسة وكان ترتيبى الأول على دفعتى على مدى سنوات الدراسة الخمس، وعينت معيدا بالكلية، وحصلت على درجتى الماجستير والدكتوراه، وأصبحت فى النهاية مدرسا بالكلية أستمتع بعمل ما أحب.

كل إنسان خلق من أجل هدف محدد فى الحياة، وتحديد هذا الهدف وفهمه، ربما كان هو العمل الأكثر أهمية الذى يقوم به الأشخاص الناجحون. إنهم يقضون الوقت فى محاولة فهم الهدف الذى تم خلقهم من أجله، وبعد ذلك يسعون وراء تحقيق هذا الهدف بكل ما أوتوا من قوة ورغبة وحماس.

بدون تحديد هدفنا فى الحياة يكون من السهل أن ننحرف عن مسارنا فى رحلة الحياة. يكون من السهل أن نهيم ونضل ولا ننجز إلا أقل القليل. الإنسان بلا هدف يكون مثل سفينة بلا دفة، كلاهما ينجرف ولا يصل لشىء، وكلاهما سينتهى به الحال إلى شواطئ اليأس والهزيمة.

أجرى عالم الحشرات والكاتب الفرنسى جان هنرى فابر (1823- 1915) تجربة مثيرة لمجموعة من يراقات الفراشات. قام فابر بترتيب الفراشات بعناية فى دائرة حول حافة إناء، بحيث تلمس فراشة المقدمة الفراشة الأخيرة، وبذلك تشكل الفراشات دائرة مكتملة. وفى منتصف الإناء وضع أوراق الصنوبر التى تمثل طعام الفراشات. بدأت الفراشات الدوران حول الإناء المستدير، وأخذت فى الدوران والدوران، ساعة بعد ساعة، ويوما بعد يوم، وليلة بعد ليلة. لقد دارت حول الإناء لسبعة أيام وسبع ليال كاملة. وأخيرا، سقطت ميتة من الجوع والتعب. لقد ماتت من الجوع فعليا بينما كانت هناك وفرة من الطعام على بعد سنتيمترات قليلة فحسب؛ لأنها خلطت بين النشاط وبين الهدف.

العديد من الناس يرتكبون نفس الخطأ، ونتيجة لذلك يحصدون قدرا ضئيلا فحسب من المحصول الذى تقدمه الحياة. وبالرغم من حقيقة وجود ثروة غير محدودة فى متناول اليد، فإنهم لا يحصلون منها إلا على أقل القليل؛ لأنهم يتبعون بشكل أعمى، ودون تساؤل، الحشد الذى يدور فى دائرة لا تؤدى إلى أى مكان.

ولكن مع وجود الهدف، يكون كل شىء فى الحياة فى موقعه الصحيح. إن سعينا وراء الهدف يعنى أننا نقوم بالعمل الذى نحب القيام به، ونقوم بما نجيد عمله، وننجز ما هو مهم بالنسبة لنا. وبمجرد أن نعرف ما هو هدفنا فى الحياة، يجب أن نرتب جميع أنشطتنا بحيث تتفق مع هذا الهدف وتدور فى فلكه.

وينبغى أن يكون كل شىء نفعله بمثابة تعبير عن هدفنا. فإذا كان هناك أى نشاط لا يتفق مع تلك المعادلة، فلا ينبغى أن نمارس هذا النشاط. لقد خلقنا بنظام توجيه داخلى، أشبه بنظام تحديد المواقع العالمى GPS، يخبرنا عندما نكون على الطريق نحو هدفنا فى الحياة أو عندما نحيد عن هذا الطريق، وذلك من خلال قدر ما نشعر به من رضا وسعادة، فالأشياء التى تسبب لنا أكبر قدر من الرضا والسعادة تكون متفقة ومنسجمة مع هدفنا فى الحياة.