نفي «السنية» إثبات

الأصل أن يثق المواطن في بيانات وتصريحات المسؤولين الحكوميين، خاصة التي تتعلق بأموره المعيشية، مثل استقرار أسعار السلع والخدمات أو زيادتها، فالحكومة التي حازت ثقة البرلمان -ممثل الشعب وعينها على السلطة التنفيذية- لا تستطيع أن تخدع المواطنين وتتلاعب بهم بتصريحات متضاربة أو كاذبة، فمانح الثقة يملك أن يسحبها ويحاسب من أخل بواجبات منصبه.

ما سبق هو القاعدة التي تتبعها الأنظمة في الدول التي تحترم شعوبها، أما في مصر فالقاعدة أن يظل المسؤول يكذب ويكذب حتى يكتب عند الشعب كذابا، والخبرة علمتنا أنه عندما يخرج الوزير أو من ينوب عنه لينفي خبرا أو شائعة عن زيادة سعر سلعة أو رفع الدعم عن أخرى، فالمؤكد أن قرار الرفع أو الزيادة في “الدرج” والشائعة ونفيها ما هي إلا بالون اختبار لقياس رد الفعل الشعبي.

منتصف نهار الأربعاء 28 يونيو تم تسريب خبر منسوب لمصدر مجهل برفع أسعار المواد البترولية بنسب تتجاوز الـ 40% تنفيذا لما تسميه سلطتنا السنية أجندة الإصلاح الاقتصادي، وبمجرد تداول الخبر سارع وزير البترول طارق الملا بنفيه.

الملا قال في تصريحات صحفية قبل حلول ليل الأربعاء: “موعد إصدار القرار لم يحدد بعد، وحتى الآن ليس هناك موعد محدد لإصدار الزيادة”، فعاد الناس إلى منازلهم بعد أول يوم عمل عقب إجازة عيد الفطر وهم مطمئنين أن الزيادة لن تطبق، لاسيما أن رئيس البرلمان نفى في ختام اجتماعات مجلسه قبل العيد الخبر وطلب من نوابه عدم التعامل مع تلك الشائعة.

في صباح اليوم التالي 29 يونيو وقبل أن يفيق المواطنون أعلنت الحكومة في مؤتمر صحفي حضره رئيس الوزراء شريف إسماعيل ووزير البترول صاحب النفي الذي لم يمر عليه أكثر من 12 ساعة، عن زيادة أسعار البنزين والجاز والغاز والبوتاجاز والكهرباء أيضا.

الملا صاحب نفي زيادة الأسعار أسهب في شرح مبررات ذات الزيادة في مؤتمر الحكومة قائلا: قرارات الزيادة ستصب في مصلحة المواطن وتهدف إلى تحسين مستوى المعيشة”.

أول أمس الثلاثاء أعلنت وزارة التموين عن قواعد استخراج البطاقات التموينية الجديدة، وقصرها على مستحقي معاشات الضمان الاجتماعي والسادات ومبارك وتكافل وكرامة، وأصحاب الأمراض المزمنة، وذوي الاحتياجات الخاصة، والصغار الذين ليس لهم عائل أو دخل ثابت لوفاة الوالدين.

وأوضح القرار الوزاري أنه سيتم استخراج البطاقات للعمالة الموسمية المؤقتة، والعاملين بالزراعة، والباعة الجائلين، وعمال التراحيل والسائقين، ومن في حكمهم، والحاصلين على مؤهلات دراسية ولا يزالون دون عمل، من خلال بحث اجتماعي، ودخل شهري بحد أقصى 800 جنيه، كما يتم استخراج بطاقات لأصحاب المعاشات العاملين في الحكومة أو القطاع العام أو الخاص بحد أقصى 1200 جنيه شهريا، وكذلك للعاملين في القطاع الحكومي والعام والخاص المؤمن عليه بحد أقصى 1500 جنيه شهريا، وسيتم استخراج البطاقات للفئات المذكورة بحد أقصى 4 أفراد للأسرة، وعدم إضافة أي أفراد أخرى للبطاقة بعد الاستخراج.

الوزارة نفت في ذات اليوم أن يكون لقرارها علاقة بتنقية كشوف المستحقين للدعم والبالغ عددهم 71 مليون مواطن، لكن بسوابق الخبرة مع حكومتنا الرشيدة فإن ضرب “مفك” النفي في ملف الدعم السلعي في هذا التوقيت، يعني بما لا يدع مجالا للشك أن المواطن المصري سيترحم عليه قريبا.

وفي إطار تعبيد الطريق إلى إلغاء الدعم وجس نبض المواطن صاحب المصلحة، سرب مصدر في مجلس الوزراء خبرا مفاده أن قرار وزارة التموين لتنظيم استصدار بطاقات التموين، يتضمن البطاقات الحديثة فقط، لكنه أردف “حتى الآن”، مؤكدا أن اللجنة الوزارية للعدالة الاجتماعية لا تزال تنظر تطبيق هذه الاشتراطات على البطاقات القديمة من عدمه.

وبناء عليه فعلينا أن نودع المرحوم “دعم” في كل صوره، بعد أن شيعته حكومات الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى مثواه الأخير، على أن تستمر ثقتنا الغالية في صدق كل شائعة ينفيها وزراء حكومتنا السنية.