نظمي لوقا.. شيخ الأقباط

جاءت ثورة 19 إيذانا بعصر جديد، لتدب الروح في كافة مناحي الحياة، وتبرز نجوم لامعة في سماء الوطن تلهم أبناءه وتغذي طموحهم، وفي السياسة ونتيجة للتحالف الذى آمن به حزب الوفد ذو الزعامة الشعبية الجارفة انفتح الطريق أمام الأقباط الاندماج في عالمها، وتشجع الأقباط على الانخراط في الحياة العامة والاستعداد، وكانت نماذج مثل مكرم عبيد باشا بفصاحته وبلاغته تجذب أنظار الكثير من الأقباط، وكان من هؤلاء المغرمين بالفصاحة والبلاغة الأستاذ لوقا جرجس والد الفتى نظمي ما دفع الوالد للاتفاق مع شيخ مسجد الحي بالسويس على تعليم الفتى دروس في اللغة العربية.

كان الصبي قصير، نحيل، عصبي الملامح، واسع العينين، تطل منهما نظرة تطلع…، يقطع الطريق جادا مسرعا بعد صلاة العصر بقليل إلى المسجد في السويس، يسحب شيخه الكفيف إليه ويبدأ الدرس نقاشا حول آيات القرآن ومواطن البلاغة في الشعر الجاهلي وتاريخ الشعر العربي مرورا بفطاحل الشعراء العرب، بالإضافة لمواقف من سيرة الرسول الأكرم. استمر الشيخ يعلم الفتى وسط همز ولمز المصلين في المسجد، سخط بعض الأقارب خوفا على الولد من الاضطراب.

كل تلك المناوشات والشيخ مصمم على التدريس للفتى، مفحما كل من ضاقت نفسه بشأن دخول فتى قبطي للمسجد. وانصراف الشيخ عن غيره من الفتية المسلمين الذين عرضوا عليه أكثر بكثير من هذا الفتى.

وبفعل الأزمات المادية التي تعرض لها الأب منع ابنه من الدرس، وكانت المفاجأة حينما سمع طرق الباب، ليجد الشيخ الكفيف على الباب يستأذنه الدخول، ويتفقا على استئناف الدرس فالابن نابه ويستحق الاهتمام والرعاية بحسب ما قاله الشيخ. ويستمر الحوار بين الشيخ والفتى حول الإسلام والمسيحية وطريقة فهم البشر وانعكاس فهمهم على سلوكهم وما يتسم به هذا السلوك دوما من ازدواجية بين الحديث والفعل. لم يسع الشيخ لدعوة الفتى للإسلام ولكنه كان حديث شامل حول الدين أيا كان فكل دين هو دين محبة وسلام.

استمر الطفل يتعلم مع الشيخ حتى ترك السويس متنقلا مع الأسرة، وقد ترك الشيخ في عقل ووجدان الفتى أبلغ الأثر، يقول نظمي لوقا في مقدمة كتابه “محمد الرسالة والرسول” :”وفي العاشرة رحل الفتى عن السويس، ولم ير الشيخ بعدها و لكن الشيخ ظل قائما في عقله ونفسه ولسانه، فقد صاغ الشيخ في الفتى ذلك كله، وفتح عينيه على احتقار الجاه واحترام العقل وتقديس العقل وشجاعة الرأي”.

حصل نظمي لوقا بعد ذلك على شهادة إتمام الدراسة الثانوية من الإسكندرية، ثم التحق بجامعة القاهرة، وحصل على ليسانس الآداب، قسم الفلسفة عام 1940، كما حصل على ليسانس مدرسة الحقوق الفرنسية بالقاهرة، ثم واصل دراسته العليا، وحصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة، كما عمل مدرسًا بالمدارس الثانوية في مدينتي السويس والإسكندرية، وأستاذًا للفلسفة بكلية المعلمين بالقاهرة، ثم بكلية الآداب، جامعة عين شمس.

في كل مرحلة من مراحل حياته كانت فكرة الدين وماهيته محل اهتمامه الدائم سواء الدين في العموم أو الدين الإسلامي الذي اجتذبه ونهل منه على يد أستاذه الكفيف فكتب عن الدين عدة كتب منها:” «الله»: وجوده ووحدانيته بين الفلسفة والدين”، «الله: الإنسان والقيمة» كما كتب عن الإسلام ونبي الإسلام والصحابة مثل: “«محمد: الرسالة والرسول»، «أنا والإسلام»، و«وا محمداه»،«الله: الإنسان والقيمة» وعن صحابة الرسول كتب لوقا «أبوبكر حواري محمد» و«عمرو بن العاص».

وبرغم كثرة ما كتب لوقا من كتب ودراسات ومقالات فإن كتابه عن رسول الإسلام “محمد: الرسالة والرسول” قد ذاع وانتشر، وقد كتب مقدمته الشيخ المجدد أمين الخولي، وكتب السياسي والكاتب الصحفي الكبير فتحي رضوان مقدمة أخرى بالإضافة لمقدمة وزير التعليم حينها كمال الدين حسين، فالكاتب القبطي يكتب عن رسول الإسلام في عدل وإنصاف.

وإثراء للمكتبة العربية ترجم العديد من الكتب من الفرنسية والانجليزية إلى العربية «ثلاثية نجيب محفوظ»: الأب جاك جومييه، و«أهداف التربية»: الفريد نورث هويتهيد 1958، و«رحلة في دنيا المستقبل»: أندريه موروا، و«آلام فرتر: جوته»، و«الوصول إلى السعادة»: برتراند رسل، و«سيمفونية الرعاة»: أندريه جيد، و«الليالي البيضاء»: ديستوفسكي، و«تفسير الأحلام»: سيجموند فرويد، و«رقصة الحياة» – البعد الآخر للزمن: إدوارد د.ت. هول.

كتب لوقا عن رسول الإسلام وهو شديد الإيمان بروح ديانته المسيحية ومبادئها ومثالياتها, فالمحبة التي تعم العدو والصديق هي لباب هذه الديانة، وبدونها تنحط الديانة إلي شعائر جوفاء، كما آمن وسطر نظمي لوقا في كتبه، وظل نظمي لوقا يكتب مهموما بسؤال الدين حتى رحل عن دنيانا عام 1987.