ميراث “المرأة”.. وأزمة الدين والحداثة

تسببت دعوة الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي للمساواة بين المرأة والرجل في الميراث، في حالة كبيرة من الجدل، زادت حدتها مع إصدار مشيخة “الأزهر” في مصر بيان تُشير فيه إلى أن هذه الدعوة مخالفة للشريعة الإسلامية، وهو ما اعتبره رجال الدين في تونس احتكار للإسلام وشريعته من “الأزهر” .

وسط هذا الصراع حول قضية ميراث المرأة في الإسلام يبدو السؤال الجوهري أبعد من هذه النقطة، ومرتبط بأزمة “الدين والحداثة” الممتدة على مدار قرنين من الزمن، لم تستطع خلالهما المجتمعات العربية تحديد دور الدين في المجتمع، وفي ظل التقاطعات الكبيرة بين رجال الدين والسياسة، واحتكار الدين من قِبل بعض المؤسسات والتنظيمات، أصبح كل حراك مجتمعي موضع للصراع والبحث عن مزيد من المكاسب والهيمنة والنفوذ.

أزمة “ميراث المرأة” تفتح الباب أيضًا لمزيد من الأسئلة حول البنية الرجعية والاستبدادية المتغلغلة حتى في التيارات العربية التي ترفع شعارات الحرية والعدل والمساواة سواء ليبرالية أو يسارية، فبينما تريد بعض الفصائل الإسلامية نزع الدين عن حياة المجتمع وتحويله لمقدس وسلطة فوقية، تسعى الفصائل العلمانية لصناعة مقدس بديل هو”الحداثة والتنوير” وتدعم السلطة الحاكمة في فرض قرارات تحديث وتطوير المجتمع دون الاحتكام للمجتمع ذاته.

الميراث المرأة قبل الإسلام

قبل الإسلام لم يكن هناك إطار تشريعي واحد يحكم العرب، فلم يكونوا كيان واحد، بل كانوا قبائل متنوعة، وهو ما يعني وجود أشكال متعددة للميراث، وكانت معظم القبائل لا تورث المرأة، وكان الرجال فقط هم من يرثوا، بينما قبائل أخرى ترث فيها المرأة زوجها كما حدث مع السيدة “خديجة” زوجة النبي “محمد” التي ورثة تجارة كبيرة قبل الإسلام وكان النبي محمد يديرها لها.

ميراث المرأة في الإسلام

يرى أنصار التيار الإسلامي أن الإسلام لم يظلم المرأة حين ذكر القرآن أنها ترث نصف الرجل، مؤكدين على عدالة الإسلام ورفعه لمنزلة المرأة بعد أن كانت لا ترث قبل الإسلام، فجاء الإسلام ومنحها جزء من الميراث وأوجب على رجال العائلة رعايتها ورعاية أطفالها الأيتام، كما ذكر في سورة النساء :” يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (11) وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ”.

ووفقًا للآيات القرآنية والأحاديث النبوية واجتهادات بعض الصحابة أصبح هناك ميثاق للميراث في الإسلام ترث فيه المراة سوأ كانت أم أو زوجة أو ابنة أو أخت أو جدة أو عمة أو خالة، بنسب متفاوتة وفقًا لمنزلة الميت ووفقًا لعدد الأقارب الأحياء من الذكور.

لكن على الجانب الآخر هناك من يروا أن منظومة الميراث كانت صالحة وعادلة في بداية الإسلام ووفقًا للظروف المجتمعية، في ظل سياق اجتماعي يفرض على الرجل رعاية المرأة، وكذلك سياق ديني يوصى الرجال والأقارب برعاية النساء واليتامى والآنفاق عليهم، أما الآن فقد تغيرت العلاقات المجتمعية تمامًا، وأصبحت المرأة مستقلة ومسؤولة عن نفسها، وإنقطعت صلة الرحم بصورة كبيرة، وهذا ما استدعى الحديث عن ضرورة إعادة النظر في قوانين الميراث والنسبة التي تحصل عليها المرأة.

أقسام الميراث

بصورة عامة فإن تركة المتوفي في الإسلام تُقسم إلى أربعة أقسام، الأوّل: ما يلزم لتجهيز الميّت بعد موته، مثل قيمة الكفن ، وأجرة من يقوم بتغسيله، ومن يحفر القبر، ومن يدفنه، ويتمّ إخراج تكلفة كل ذلك قبل توزيع الميراث، والقسم الثّاني: ما على الميّت من ديون، حيث يتمّ إخراج ذلك قبل تنفيذ وصيّته، وقبل تقسيم الإرث بين الورثة، سواءً أكان هذا الدّين عليه لله، مثل: الزّكاة، والكفّارة، والنّذور، أو كان ديناً يخصّ النّاس، مثل: القروض، والإيجارات، وثمن البيوع، والقسم الثّالث: وصيّة الميّت، حيث يتمّ إخراجها من مال الميّت قبل تقسيم الإرث بين الورثة، والوصيّة لا تجوز إلا للوارثين، ولا تنفّذ في حال كانت أكثر من الثّلث إلا بإذن الورثة، ويستدل على هذا الحكم بحديث سعد بن أبي وقّاص قال: (عَادَنِي النَّبِىُّ، فَقُلْتُ أُوصِى بِمَالِى كُلِّهِ. قَالَ: لاَ. قُلْتُ فَالنِّصْفُ. قَالَ: لاَ. فَقُلْتُ أَبِالثُّلُثِ، فَقَالَ: نَعَمْ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ)، والقسم الرّابع: ما تبقّى من الميراث بعد التقسيمات الثّلاث الأولى يقسم على أصحاب الفروض، وما تبقّى يعطى للعصبة، فعن ابن عباس قال النبي محمد : (اقْسِمُوا الْمَالَ بَيْنَ أَهْلِ الْفَرَائِضِ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ فَمَا تَرَكَتِ الْفَرَائِضُ فَلأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ).
وصاحب الفرض هو كل وارث ورد نصيبه بنص على سبيل التحديد، والأنصبة: هي النصف والثلث والربع والسدس والثلثان وتوزع على عشرة هم : الزوج ، والزوجة ، والأم ، والأب ، والجدة ، والجد ، والبنات ، وبنات الابن ، والأخوات من غير أم وأولاد الام .

بينما”التعصيب” هو الإرث بغير تقدير، والعصبة في المواريث هم الذين يرثون بلا تقدير، أي ليس لهم نصف أو ربع أو ثلث أو سدس ونحو ذلك ولكن يرثون بلا تقدير، وهم ثلاثة أقسام، الأول: عصبة بالنفس وهم: الابن وابنه، والأب وأبوه، والأخ الشقيق والأخ من الأب وابن الأخ الشقيق وابن الأخ من الأب والعم الشقيق والعم من الأب وابن العم الشقيق وابن العم من الأب، والثاني: عصبة بالغير، وهم البنت مع الابن، وبنت الابن مع ابن الابن، والأخت الشقيقة مع الأخ الشقيق، والأخت من الأب مع الأخ من الأب، فهؤلاء يرثون بلا تقدير ويقسم بين الأنثى ومعصبها للذكر مثل حظ الأنثيين، والثالث: عصبة مع الغير وهي الأخت الشقيقة أو الأخت من الأب.
أنصبة ميراث المرأة

ترث المرأة في حالات محددة ، فترث الثمن لو كانت زوجة وكان للزوج المتوفي أبناء، أو الربع إن لم يكن له أبناء، وفي حال كان للمتوفي أكثر من زوجة فيشتركن في الثمن، كما ترث النصف إن كانت ابنة واحدة للمتوفي ولم يكن لها أخ يعصبها،أو الثلثان ان ترك المتوفى ابنتين فأكثر دون وجود أخ يعصبهما، أما الأم فلها ثلاث حالات فترث الثلث إذا لم يكن للمتوفي فرع وارث أو أخوة أو زوج وترث السدس ان كان له فرع وارث أو اخوة وثلث الباقي في المسألتين العمريتين وهي تلك المسألة التي لا يكون للميت سوى أب وأم وزوج أو زوجة .

ترث الجدة السدس وذلك بشرط عدم وجود من يحجبها (الحجب هو منع أحد الوارثين من نصيبه في الميراث لوجود من هو أقرب منه للميت)، بينما تميز قواعد الميراث بين كلًا من ابنة الابن وابنة البنت رغم التساوي في درجة القرابة للمتوفي، حيث أن ابنة الابن تُعد من أصحاب الفروض لأنها تُنسب إلى الميت بعاصب وهو «الابن»، وابنة الابنة من ذوي الأرحام لأنها تنسب إلى الميت برحم، بـ«أثنى»، الذين يرثون في حالة عدم وجود صاحب فرض أو عصبة.

فترث ابنة الابن كما ترث الابنة ولكن بشرط عدم وجود من يحجبها، وحجبها يكون بوجود ابن أو ابنة للمتوفي أما أخر الحالات التي ترث فيها المرأة فهي حالة الأخت أو الأخوات فيرثن بالتعصيب بالغير أو مع الغير أو بالفرض، حيث يرثن بالتعصيب بالغير إذا كان للميت أخ شقيق، وفق قاعدة للذكر مثل حظ الأنثيين.

ويرثن بالتعصيب مع الغير إذا كان للميت أنثى من الفروع وارثة بالفرض ، فيكن بمنزلة الإخوة الأشقاء، ويرثن بالفرض فيما سوى ذلك للواحدة النصف وللاثنتين فأكثر الثلثان.