من السادات للسيسي: تعالوا نبدأ من الأول

المواطنون المحترمون الذين دخلوا ضمن تعداد السكان خلال العشرين سنة الأخيرة ربما لا يعرفون أننا منذ سنة 1970 وحتى اليوم نعيش نفس المأساة، أو هي على الحقيقة ملهاة محزنة، ندور في دائرة مفرغة، نبدأ من حيث انتهينا وننتهي إلى حيث بدأنا.

خلال تلك الفترة تناوب على حكم مصر ستة حكام.
بدءاً من أنور السادات الذي حكم عشر سنوات، ثم حيني مبارك الذي تسلطن على دكة الحكم ثلاثين سنة، ثم حسين طنطاوي بصفته رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة لمدة سنتين بعد خلع مبارك الذي أسند الحكم إلى القوات المسلحة بعد تخليه عن السلطة، ثم محمد مرسي الذي حكم باسم جماعة الاخوان لمدة سنة بعد انتخابات ماراثونية انتهت في جولتها الثانية إلى نجاحه بنسبة لا تزيد عن خمسين بالمائة إلا قليلاً، ثم المستشار عدلي منصور بعد عزل مرسي وحكم بصفة مؤقتة لمدة سنة، ثم المشير عبد الفتاح السيسي الذي نجح في انتخابات سنة 2014.

المأساة ـ الملهاة تتمثل في أن كل رئيس يأتي إلى الحكم يتعامل معنا كمواطنين باعتبارنا أطفالاً أو بلهاء أو مصابين بداء التخلف العقلي المزمن.
كل واحد فيهم، من أنور السادات حتى عبد الفتاح السيسي قدم نفسه للشعب على أساس عدم مسئوليته عما جرى في العهد الذي يسبقه، رغم أنهم جميعاً ـ عدا محمد مرسي الذي كان استثناءً في كل شيء ـ كانوا من أبناء وقادة النظام الذي بدأ مع أنور السادات واستمر بعده على ذات الأسس ونفس السياسات والانحيازات سواء على المستوى الداخلي أو في المحيط الخارجي.

في البداية وعند حلف اليمين الدستورية رئيساً لمصر خلفاً لجمال عبد الناصر، كاد السادات يركع أمام تمثال جمال عبد الناصر، وقال برنامج هو برنامجي، وخطه هو خطي، ودوري أن أستكمل الطريق الذي بدأه، وسوف نستمر عليه إن شاء الله، وأنا مسئول عن كل ما جرى وتم في عهده، ثم انقلب عليه وعلى خطه وتوجهاته ومجمل سياساته سواء في الداخل أم في الخارج، ووضع الأسس الجديدة لنظامه بعد أن حاز شرعية جديدة من انتصار مصر في حرب أكتوبر سنة 1973، وهي النقطة التي انتقل بعدها السادات بنظامه إلى موقع أكثر تقدماً على طريق الانفصام بينه وبين نظام جمال عبد الناصر.

استخدم السادات كل آليات نظام عبد الناصر لينقلب بها على كل ما انتهجه سلفه من سياسات وانحيازات، ومع بداية الطريق الجديدة انطلقت أكبر وأشرس الحملات ضد عبد الناصر ونهجه وسياساته وقراراته وانجازاته حتى وصل الأمر بأن طالب البعض بهدم السد العالي.!
وحدث فك الارتباط الشكلي بين نظامي عبد الناصر والسادات، الذي راح يسعى بدأب منذ منتصف السبعينيات إلى تكريس أسس نظامه الذي استمر من بعده بطبعات مختلفة عن الأصل طوال قرابة نصف قرن.

جاء مبارك من نظام السادات ومضى على ذات الأسس والمرتكزات التي وضعها مؤسس النظام، وجاء من بعده على إثر ثورة شعبية غير مسبوقة المشير طنطاوي الذي أحال إليه مبارك إدارة شئون البلاد بالمخالفة للدستور القائم وقتها، وكان طنطاوي هو وزير الدفاع في نظام مبارك لما يزيد عن عشرين سنة، ثم أجبرت حركة الجماهير وملابسات كثيرة المجلس الأعلى للقوات المسلحة لكي تجري انتخابات رئاسية تم هندستها بطريقة أفضت إلى الإعادة بين مرشحين، أحدهما يمثل نظام مبارك وكان آخر رئيس وزراء في عهده قبل خلعه، والآخر ممثل لجماعة الاخوان المسلمين.
وكان الاختيار صعباً، وكان الاختبار أشد صعوبة..

وجاء محمد مرسي من خارج دائرة النظام، وكان هو الاستثناء على القاعدة، ولم يستمر حكمه غير سنة واحدة، ثم عاد الرئيس عدلي منصور على رأس نظام مبارك/السادات بشكل مؤقت ليفرز النظام أحد وجوهه للرئاسة بعد دراما صعود وسقوط الاخوان.

لم تكن الاستعانة المستمرة برموز ووزراء وقادة دولة مبارك هي التعبير الوحيد عن استمرار حكم مبارك بوجوه جديدة، ولكن الأهم أن سياساته وانحيازاته وخياراته الرئيسية ظلت هي التي تحكم سياسات وانحيازات وخيارات السيسي الذي كان رئيساً للمخابرات الحربية في عهد مبارك وارتقت به تطورات الأحداث وملابسات الحوادث إلى موقع وزير الدفاع في ظل الاخوان ثم اعتلى كرسي الرئاسة بعد 30 يونيو 2013.
من السادات الى السيسي، كل هؤلاء حكمونا بمنطق تعالوا نبدأ من الأول.

من أول السطر يبدأ كل حاكم بفتح صفحة جديدة، ليس فيها أي جديد غير اسمه كحاكم، وطابعه الشخصي يمارس به الحكم على ذات الطريقة التي مضى عليها أسلافه بدون تغيير يذكر.

دولة السادات مبارك السيسي هي دولة كامب ديفيد بامتياز.
هي دولة العلاقات الخاصة المميزة مع الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا هو اسم الدلع لما يسميه كثيرون بالتبعية لواشنطن.
هي دولة العلاقات الدافئة بين النظام وبين إسرائيل.
هي دولة الاستبداد والفساد والاعتماد على الخارج وعدم تعظيم قدراتنا الذاتية.
هي دولة الالتحاق بركب أقطار الخليج ومشيخاته.
هي دولة الانحياز إلى الأغنياء واستشراء الفساد بين جنباتها وتغليب قانون الغابة.
هي دولة افقار الفقراء وتحمليهم فواتير الفساد والقرارات الخاطئة والسياسات الاقتصادية الكارثية.

مبارك كان يقول اسمي حسني مبارك ليوحي بأنه مختلف عن السادات، والسيسي أوحى كثيراً أنه ليس مبارك، بل سعى الى الإيحاء بصلة انتساب إلى عبد الناصر إبان ترشحه للرئاسة، ولكنه سرعان ما أظهر احترامه للسادات ومضى على سياسته كأن السادات بُعث من جديد.

نظام واحد تتعدد وجوهه ويبقى جوهره قائماً، وهو الجوهر الذي خرجت ضده الملايين في يناير سنة 1977، ثم عادت لتخرج ضده من جديد في يناير سنة 2011، وفي كل مرة كان النظام قادراً على البقاء، وقادراً على ارتداء أثواب وأردية مختلفة تداري حقيقة بقاء الحال كما كان عليه.

السيسي هو الطبعة الثالثة لنظام استمر قرابة الخمسين سنة، بدأ بطبعته الأولى مع أنور السادات، مؤسس النظام وصاحب المرتكزات الأساسية التي لا يحيد عنها أي من الحكام الذين جاءوا من بعده كنسخ مختلفة في الشكل ومتباينة في الأسلوب، ولكن يبقى الجوهر واحداً في كل الحالات، استمرت الطبعة الأولى للنظام عشر سنوات، وكان حسني مبارك هو طبعته الثانية، والأطول عمراً، حيث مكث فوق مقعد الحكم طوال ثلاثين سنة متواصلة، ثم جاء عبد الفتاح السيسي ليقدم نسخته الخاصة للنظام نفسه، محاولاً بكل جهده الإبقاء على حياة نظام انتهى عمره الافتراضي في سنة 2011 حين ثارت الملايين ضد أسوأ طبعاته وأكثرها جموداً وأشدها وبالاً على الوطن والمواطنين.