محفوظ ـ عرابي.. ولص القَصر

انتهت الفتونة بنهاية “عرابي”، وعرابي هنا ليس هو الزعيم الذي وقف في وجه السراية الحاكمة في ميدان عابدين، بل هو “كامل عرابي” فتوّة الحسينيّة في بداية الثلاثينيّات من القرن الماضي، وتلك الحادثة العجيبة هي نموذج لتكوين الوعي العام للشارع المصري حتى الآن.

كان عرابي هو فتوّة الحسينيّة، وفتوّة الحسينية كان ذو شأن كبير بين فتوات المناطق المحيطة لأنه في المركز بين الحارات والمناطق المحيطة، وذلك المركز ليس مجرد مركزًا جغرافيّا بقدر كونه مركزا للنفوذ ورأس المال أيضًا بين المناطق الأخرى. فهي دائرة نفوذ تجار الأنتيكات والغلال والنسيج، وكذلك وجود القبو والتكيّة يمثّل ثقل روحاني كبير للحسينية فهي مقصد أهل الحواري المجاورة سواء للتعبّد والتبرّك أو للتجارة وكسب الرزق أو لابتياع الأشياء الثمينة والعطارة الجيدة.

من هنا اكتسب منصب فتوّة الحسينية أهميته، ومن هنا أيضًا كان لعرابي ذلك الدور المحوري الذي جعل الصحف الوفدية الكبيرة تتناول سيرته وصورته فوق جواده تحت عنوان صحفي جذاب يعلن انتهاء نظام الفتونة بشكل قاطع.

حدث ذلك لأمر تافه، ولكن الأرجح أن تراكم المشاكل كان هو السبب الحقيقي الذي جعل الحكومة تعلن الحرب على الفتونة والفتوات حينما ذهب أحدهم، ويدعى “إبراهيم البرّي”، مخبرًا عرابي بأنه قد تعرّض للضرب على يد فتوّة منطقة “القبيصي” وهو بمثابة صعلوك بين الفتوات ولا شيء إلى جوار عرابي فتوّة الحسينيّة. وهنا تحرّك عرابي إلى القبيصي يمتطي جواده في مشهد يشبه الزعيم عرابي حينما امتطى جواده ذاهبًا إلى قصر عابدين في أحد أشهر المشاهد السياسية وأكثرها سينمائية في تاريخ مصر. وبينما يطيح فتوّتنا يمينًا ويسارا محطما الحارة بأكملها، أطاح في طريقه بعين أحدهم ليجن جنون رجال الشرطة الذين أعلنوا وقتها الحرب على الفتونة والفتوات وتم الحكم بحبس عرابي لمدة عشرين عامًا.

لم نكن لنتعرف على تلك القصة لو لم يقم أستاذنا الكبير رجاء النقّاش بحواره التاريخي مع الأستاذ نجيب محفوظ. في الواقع أن محفوظ بقدر ثراء أدبه وفلسفته ودقّة شخصياته التي تتحوّل إلى لحم ودم فوق الورق بمجرد مرور العين عليها، فهو أيضًا مادة خصبة وتاريخيّة للكتابة حوله وحول ما كتب، حوله وحول ما قاله ورواه سواء في قصصه ورواياته أو في حواراته الصحفية أو حتى جلساته الخاصة.

نجيب، هذا الحكّاء غير المسبوق، برغم كُل ما كتب حوله من مواد صحفية وأدبية ومؤلفات نقدية ورأي إلا أنه مازال يحمل الكثير ليُقال ومازال أدبه يمتلك جوانب أخرى للفحص والتدوين. فقصة عرابي آخر فتوات مصر والتي جاءت ضمن الحوار المطوّل بينه وبين المرحوم رجاء النقّاش –والذي اختار الرجل أن يقدّمه بسرد وأسلوب نجيب محفوظ وكأنها مذكّرات كتبها نجيب بنفسه- لم تنته بسجن عرابي لمدة عشرين عامًا، بل أنها أخذت التيمة المحفوظيّة في السرد القصصي ليصبح المشهد الأخير أكثر عبثية من أن يزول نظام الفتونة بسبب عين مفقودة بعد كل الدماء التي سُفكت على يد فتوات اختاروا الظلم والطغيان طريقًا لفرض السيطرة.

القصة هنا انتهت بخروج عرابي من السجن وافتتاح مقهى عرابي الشهير، والذي ارتاده نجيب وأصدقائه الذين كانوا يصطدمون بالرجل كثيرًا بسبب الضوضاء التي كانوا يسببونها بينما هو يمقتها، فكان يطردهم لمدة ثم يزورهم في المنازل ليعلن انتهاء مدة الطرد وأن بإمكانهم العودة مرة أخرى لارتياد المقهى. فقد اتجه الرجل من ثقافة البطش التي يعتنقها الفتوّات إلى ثقافة “فترة العقوبة” التي تعلمها بالسجن.

تعجّبت كثيرًا بينما كنت أقرأ رواية “ليالي ألف ليلة” للمرة الخامسة في حياتي –وهي عدد مرّات إصابتي بحالة عابرة من التوتر العصبي- كمهدئ نفسي فعّال، أن محفوظ قد اختار أن يبدأ روايته من حيث انتهت ملحمة “ألف ليلة وليلة” بعفو السلطان شهريار عن شهرزاد بعد أن قضت ألف ليلة وليلة تقص عليه من الخيال قصصًا أسقطته أسيرًا في عشقها، فبدأ نجيب روايته باحتفالات السلطنة بقرار العفو وبداية عصر جديد أصبح فيه أهل البلاد هم أبطال القصة التي تصب في إصلاح قلب السلطان الذي عدل عن القتل وسفك الدماء البريئة لتأخذه إلى الاكتمال والصلاح التام.

لم يكن ذكاء وتمكّن وحرفية محفوظ ما أثار العَجَب فيّ، بل أنني وجدت موجة من الهجوم على الرجل بعد وفاته بـ 11 عامًا وبعد فشل الموجة السابقة في قتلة حينما لم ينجح السكّين “السلاح الصريح” في تصفية جسد الرجل. وتلك الموجة هذه المرة جاءت ممن آلمهم أن نجلة الأستاذ قررت الإفصاح عن فضيحة مبارك “لص قصور الرئاسة” في تقديم قلادة ليست من الذهب الخالص للرجل الذي حصل على أعلى جائزة في العالم وينال حتى يومنا هذا التكريم هنا وهناك، وتحقق أعماله أعلى المبيعات هنا وهناك.

هؤلاء آلمهم بشدة أن تنكشف تلك القصة فانهالوا على الرجل وأسرته بالإهانة والتشكيك والتلويح بأن نجيب محفوظ كان سيبيع قلادة النيل التي حصل عليها! وكل ذلك من أجل تبرئة نظام سياسي ألقى بمصر إلى منزلق الجهل والرجعية والفساد والمرض من تهمة الغش والاحتيال، النظام الذي قتُل في ظله فرج فودة وكاد نجيب محفوظ أن يلقى حتفه في جريمة مشابهة، النظام الذي فتح أبواب التطرف على مصراعيها وترك المجتمع فريسة لكل أشكال وأنواع التخلّف في جريمة تاريخية لأكبر عملية تجريف وعي في تاريخ البلاد، أليس عجيبًا أن ينشغل بعض أبناء حارتنا بالدفاع عن تلك المنظومة بينما يهاجمون ابن حارتهم البار وأهل بيته؟ نفس الرجل الذي يستخدمون اسمه كرمز للبلاد وصورته كواجهة لاسمها كلما ضاق بهم الحاضر المُرتبك، هو من لم يترددوا في الهجوم عليه حينما تعلّق الأمر بمنظومة فسادهم النفسي! كان عليهم أن يستردّوا شيئًا من الوعي، أو يتذكّروا منهما كان مفيدًا ومخلصًا لمجتمعه ولم تزل فائدته تطرح وتثمر حتى يومنا هذا ولكن، آفة حارتنا النسيان.