“لو كان الدستور رجلاً… لقتلته”!

تعلمنا في “شبه الدولة” أن الأصوات التي تنطلق خافتة هنا وهناك مرددة نغمة “تعديل الدستور”، سرعان ما سيعلو دويها رويداً رويداً لتصبح مطلباً وجودياً وفرض عين لا يجوز نكرانه أو تجاهله.. فأي شرذ أو احتكاك بسيط داخل مؤسسات الدولة المستأنسة له امتداد وثيق بمؤسسة الرئاسة، فالأخيرة هي من تعطي إشارة البدء وتُحدث الشرارة الأولي ثم تتخفي بعدها وراء حجاب وكأنها لا تري ولا تسمع ولا تتكلم.

نؤمن أيضاً أن رغبات الرئاسة في “شبه الدولة” ليست محل جدال أو تفاوض.. فلن تتعطل أو يؤخر تقدمها أشياء بالية وعقيمة كالدستور والأصوات المعارضة والرفض الشعبي.. ونعلم يقيناً أن قطار الرئاسة سيمضي فوق أي قضبان بثبات وسرعة تفوقان قطار نمو وتقدم الدولة نفسه، ولعله الفارق المنطقي والطبيعي بين القطار المكهرب وقطار الديزل.

لا يدرك النظام السياسي الحالي أن احترامه للدستور والقانون ليس طريقاً يحق له أن يختار المضي فيه أو اتخاذ طريقاً بديلاً عنه.. وليس نزوة عابرة له أن يتنصل منها وقتما أراد.. وليس ترفاً أو منّة أو من قبيل الوجاهة السياسية.. بل هو أمر حتمي لا يجوز المراوغة به أو الالتفاف حوله، فكلاهما الضامن الأول لبقاء الدولة و”الترمومتر” الدقيق لقياس قوة مؤسساتها، وهما أيضاً الحكم والفيصل بين حدود ما لك كمواطن وما للدولة من سلطات.

ما سبق الإشارة إليه في الفقرة الأخيرة يصلح فقط في حالة الدول التي تعتبر لأحداث التاريخ وأحكام المنطق.. للدول التي تحاسب نفسها أولاً ولا تُقصر المحاسبة والعقاب علي الشعوب دون الحكام.. للدول التي تستمد إرادتها من إرادة الناس وتراعي مصالحهم ومستقبلهم.. للدول التي لا تلتفت أو تركع لإرادة حاكم أوحد ينشد الخلود ويتطلع إلي المزيد من السلطات ليواصل تجارب الفشل وشغفه المتزايد للاستبداد.

أنت وأنا مدركين تماماً ـ فوق إدراكنا السابق ـ أن تلاعب النظام السياسي بالدستور والقانون، وتطويعهما لحسابه، وصم آذانه عن النداءات المتكررة بضرورة تثبيتهما وترسيخهما بدلاً من التحايل عليهما، سيُلحق به الأذي ويقوده إلي ذات المصير المشئوم لسابقيه، كما سيحولنا جميعاً إلي رهائن وأسري في “شبه الدولة”.. وهنا علينا أن نطرح من جديد هذا السؤال الوجودي: ألا يدرك الحاكم والمنتفعين من حوله تلك الحقيقة الجلية والمفجعة؟!

بدأت أصدق أن القائمين علي إدارة شئون “شبه الدولة” أشبه بطفل صغير عاني قسوة الأب والحرمان من شراء الألعاب علي خلاف غيره من الصغار.. ولما مات الأب وجد الطفل نفسه في متجر للدمي، فأصابته حالة شبق لامتلاك كل الألعاب دون أن يراعي حق الزبائن في الحصول علي نصيب مثله، ودون أن يكترث لدفع ثمن ما حصل عليه، وكأن الدمي جميعها صارت حقاً مكتسباً وتعويضاً له عن فترة الحرمان القاسية.. والتشبيه هنا قطعاً يسيئ للطفل الصغير فسامحوني لسوء نواياي المتعمد.
لا أعرف يقيناً ما السر الخفي وراء إصرار الرئيس عبدالفتاح السيسي علي نسف كل قواعد وأعراف الدولة، وما سر تحديه الصارخ لأي قانون يعاكسه وأي صوت يعارضه، والاعتقاد بأن سياط القوة الغاشمة وفرض الأمر الجبري علي الجميع كفيلين بحسم المعركة لصالحه.. وما سر عناده في ضرورة إخضاع كل المؤسسات لحسابه؟.. ودعوني أتكهن وحدي بالأسباب طالما يخفي الرئيس الأسرار.

يملك الرئيس ما يكفي من سلطات إن أراد التغيير والبناء وجعلنا كما تعهد سلفاً بدولة “أد الدنيا”، كما لديه وفرة في الصلاحيات إن أراد محاربة الإرهاب ومطاردة الفساد في كل المؤسسات دون تمييز مؤسسة عن أخري.. فلماذا إذاَ هذا السعي الدؤوب من جانبه للاستئثار بالسلطة وإزهاق روح الدستور والقانون؟.. للأسف لا أجد تفسيراً بديلاً سوي عشق الرئيس للسلطة لأجل السلطة، ورغبته في جعلها مستديمة وأبدية، إلي جانب سوء تقديره لعواقب هذا النزق.

ليثق الرئيس أنه إن كان حقق وعوده السالفة بالرخاء فلم يكن ليحاجيه أحد.. ولو كان شاركنا الرأي والمشورة فلم نكن لنسمعه صوت الضد.. ولو كان صارحنا بالحقائق دون تهويل أو تهوين لصبرنا معه.. ولو اعتذر مرة عن أخطاءه في حق القانون والديمقراطية والحريات، وأخيراً الدستور، لانحنينا تقديراً لشجاعته.. لكنه مع الأسي، جعل من نفسه السلطان والبصير، وقال بنبرة ثقة زائدة إن وجوده حتمي لبقاء الدولة، وأن غيابه عنها يعني الفناء.

ستتلقف فرقة “فداك أبي وأمي يا فخامة الرئيس” كرة تعديل الدستور، ثم تقذف بها إلي البرلمان الذي سرعان ما سيستجيب لنداءات “تثبيت الدولة” والحفاظ علي هيبتها.. وفي يوم وليلة سنصحو وقد أصبح الدستور طوعاً لأمنيات الرئيس.. مرة بمد فترة الرئاسة، ومرة بجعلها أبدية، وربما مرة أخري بحصرها فقط في ذرية الرئيس.. وحينها ستُكبر المآذن وتدق الأجراس وتعلو الصيحات المهنأة بهذا الانتصار الكبير للدولة التي ضمنت بقاءها ببقاء سيادة الرئيس.