قوى مصر الناعمة ومكافحة التطرف

لازالت معركة مصر مع التطرف والإرهاب تدور حول المواجهة الأمنية، التى لازالت هى الأخرى بحاجة الى مراجعات عميقة وجادة، تجسر الفجوة بين تلك التنظيمات الإرهابية وأجهزة الأمن، وأتحدث هنا بالطبع عن الفجوة فى التدريب والتسليح والمراجعة المستمرة للأداء، ولكل عملية حدثت وتكررت بشكل حرفى وأسفرت عن خسائر فى الأرواح أو الممتلكات.

ورغم أهمية المواجهة الأمنية التى يجب أن تتسلح بكل أدوات الفعالية والكفاءة والتطور المستمر، تبقى هناك مساحة أوسع وهى مساحة مهجورة من أى فعل جاد وحقيقى هى مساحة الفكر.

بالأمس زرت إحدى المكتبات العامة فى حى راق من أحياء القاهرة، وكنت لم أزر تلك المكتبة منذ خمسة عشر عاما فهالنى مظهر المكتبة وطبيعة الموظفين الذين يسيطر عليهم الضجر، وأجراس المحمول التى تملأ المكان برنات مبتذلة وعالية الصوت، فضلا عن أحاديث المواظفين التى لا تراعي أنهم يجلسون فى قاعات إطلاع، أما رفوف المكتبة فقد خلت من أى كتب مهمة وتبعثرت على الرفوف فى مظهر رث يعكس حال الثقافة المصرية، أحد أهم أسلحة أو قوى مصر الناعمة فى السابق.

كان حال المكتبة خير دليل على واقع الثقافة المصرية التى خرجت من المعركة منذ عقود، تاركة العقل والوجدان المصرى ملقى على قارعة الطريق يتلقفه العابرون إخوانا مرة أو سلفيين أو جهاديين.

لايختلف حال المكتبات العامة عن حال المسارح أو دور السينما التى تراجعت هى الأخرى إلى حد مزر.

كيف نتحدث عن قوى مصر الناعمة وتوظيفها كسلاح فى مواجهة الإرهاب، ونحن لا نكاد نظفر بمكتبة عامة فى كل عاصمة ولا أقول كل مدينة، يبدو أن ذلك حلم عزيز المنال، أين هى قصور الثقافة فى مصر؟ والتى يبلغ عددها مئات القصور كان يفترض أن تكون منارات تشتبك مع العقل والوجدان المصرى، عبر شحنة تحصنه من قبول فيروس الإرهاب الذى لا يسيطر سوى على عقل ووجدان سقيم لم يتعرض لأى شحنات تنوير فاقدا تماما لمناعته الحضارية.

منذ عامين تقريبا أقامت وزارة الثقافة مؤتمرا تحت عنوان “دور القوى الناعمة فى مكافحة التطرف”، ولم يخلو المؤتمر على عادة كل فعاليات وزارة الثقافة وغيرها من وزارت مصر من مظاهر دعائية، واستكمال لفعاليات صورية وخلا من أى دراسات أو أنشطة جادة تشتبك مع الظاهرة أو تعبأ طاقات الوزارة فى هذا الاتجاه.

تفاءل الكثيرون عندما تولى وزراة الثقافة كاتب وتنويرى كبير، لكن بعد مرور كل هذا الوقت اكتشفنا أن الأزمة أعمق من وزير أو رئيس وزراء.

فى تكوين الإرهابى أو التكفيرى أول محطة هى تجريف عقله ووجدانه من أى أفكار أو مشاعر تجعله صحيح العقل والوجدان، عبر تزويده بمواد وأناشيد تمسخ عقله ووجدانه من أى مؤثرات إنسانية حقيقية، لكى يصبح مؤهلا لتبنى أفكار حدية تتراوح بين الأبيض والأسود، يقسم الدنيا إلى فسطاطين ، وهو ما لا ينجح مع شخص تعرض لشحنات من الفن أو الأدب بشكل عام، لذا كل تأخر فى مسيرة الفنون والآداب وضعف الإنتاج أو فشل تلك المناشط فى تقديم منتجها للمواطن، يصب تلقائيا فى صناعة شخص سقيم العقل والوجدان يصبح فريسة سهلة لتيارات العنف والإرهاب، التى تعيد تعبئة عقله وضميره ووجدانه بأفكار ومشاعر تنسجم مع تصور هؤلاء للكون وللحياة.

الإرهابى يساق من قلبه الذى يتم شحنه بقناعات فكرية وتأثيرات نفسية لا تنجح إلا فى ظل تخليته من كل ضمير أو شعور إنسانى صحيح، ودور مؤسسات التنشئة هى بناء نفسية وعقلية ووجدان صحيح عبر عملية تنشئة تتولاها وزارات مثل التعليم والثقافة والإعلام، وهى المؤسسسات التى تنتج منتجات تمثل قوى مصر الناعمة، السلاح الذى كان فعالا فى مراحل سابقة، حصنت الشخصية المصرية من هذا الوباء ولم تعد فاعلة اليوم فأصبح شبابنا نهبا لهذه الفيروسات الفكرية.

إن احتشاد هذه الوزارات عبر ألية مثل المجلس الأعلى لمكافحة الإرهاب ،أصبح فرض الوقت الذى لايجوز تأخيره وهو إستحقاق لا يشك فيه عاقل

لن تنجح مواجهة الإرهاب سوى بتعبئة كل الأسلحة وفى القلب منها المواجهة الفكرية، التى يبقى سلاحها الوحيد هو المنتج الفكرى والثقافى والفنى، الذى لم يصل بعد إلى مستوى لائق لخوض المعركة والنجاح فى حسمها لصالح المستقبل.