قراءة في كتاب: شايلوك في مروج الجليل.. تزييف التاريخ الفلسطيني في الرواية الأمريكية المعاصرة

ما الذي يعرفه المواطن الأمريكي عن القضية الفلسطينية؟ وكيف يرى الصراع العربي الإسرائيلي؟، ما هى مصادر المعلومات التي يطلع من خلالها على ما يحدث في فلسطين المحتلة؟، وما دور الأدب في كتابة التاريخ في العصر الحديث؟ وكيف يستخدم المحتل الإسرائيلي الأعمال الأدبية في تزييف التاريخ ؟، أسئلة عديدة يطرحها  الدكتور صديق محمد جوهر في كتابه ” شايلوك  في مروج الجليل .. تزييف التاريخ الفلسطيني في الرواية الأمريكية المعاصرة” الصادر حديثًا عن دار صفصافة بالقاهرة.

يقول جوهر في مقدمة الكتاب “في أعقاب العدوان الإسرائيلي على غزة في الثامن من  يوليو عام 2014، تم إجراء استبيان يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي وزع إليكترونيًا على طلبة بعض الجامعات الأمريكية والكندية، ولقد أظهرت النتائج مدى تغلغل النفوذ الصهيوني في تشكيل العقل الجماعي للأجيال الصعادة في أمريكا الشمالية، فقد تبين أن أكثر من 70 % ممكن شاركوا في الاستبيان من جامعات الولايات المتحدة وأكثر من 80% ممن شاركوا في الاستبيان من جامعات كندا يعتقدون أن فلسطين هى أرض يهودية محتلة من العرب الفلسطينيين وأن إسرائيل دولة مضيافة لأنها سمحت للفلسطينيين بالبقاء على أرضها”.

هذه الصورة الصادمة التي تعكسها نتائج الاستبيان لكيفية تزييف التاريخ وبناء سردية مغايرة تمامًا للواقع، تجعل من الضحية إرهابي ومجرم، ومن المجرم صاحب حق، يحاول الكاتب تفكيكها عبر دراسة نقدية تلقى الضوء على ثلاث رويات أمريكية معاصرة تمثل الرؤية  السائدة للصراع العربي الإسرائيلي بين المثقفين والكتاب في الولايات المتحدة الأمريكية وهم رواية “الحاج” للكاتب ليون يوريس، وروايتي “الحياة على الضد”، و”العملية شايلوك” لفيليب روس.

يحتوي الكتاب على مقدمة بعنوان “الصراع العربي الإسرائيلي في الرواية الأمريكية المعاصرة” يقدم من خلالها الكاتب قراءة موجزة في التقاطعات بين الأدب والسياسة والتاريخ وكيف يتم إستخدام الأعمال الروائية من قبل الحركة الصهيونية في تبرير أفعالها الإجرامية تجاه الفلسطينين والعرب، ويتضمن الكتاب أيضًا أربعة فصول تشرح وتحلل باستفاضة منهجية الأعمال الروائية التي ترصدها الدراسة وطرقهم المتنوعة في تقديم وعرض القضية الفلسطينية من وجهة نظر صهيونية، بالإضافة لخاتمة بعنوان “الميثولوجيا الاستعمارية وصراع الحضارات” تتناول القضية الفلسطينية من خلال منظور أوسع يجمع ما بين الديني والتاريخ والاجتماعي والسياسي.

في الفصل الأول من الكتاب يشير الكاتب إلى أن الأدب وتحديدًا فن الرواية أصبح واحدًا من الأدوات المهمة لصياغة التاريخ، خاصة لما يحمله من مساحة من التفاعل الإنساني، والدراما التي تحول الأحداث التاريخية الجافة إلى وقائع إنسانية ملموسه يكون لها تأثير قوي على المتلقي: “لقد ظلت رواية (الحج) على قائمة أفضل الكتب مبيعًا في الولايات المتحدة لسنوات عدة؛ إذ إنها صنفت رواية تستعرض، بصورة واقعية حقيقة، تاريخ النزاع في الشرق الأوسط، وأوصى أعضاء اللوبي اليهودي أنصار الدعاية الصهيونية في أمريكا أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة بقراءة الرواية على أساس أنها بيان جلي، يتضمن الوقائع البارزة التي تصوغ العلاقات العربية الإسرائيلية”.

ويضيف :” نشرت رواية “الحج” في أعقاب الاحتلال الإسرائيلي لبيروت الذي مهد الطريق لمذابح اللاجئين  الفلسطينين في مخيمي صبرا وشاتيلا، وتزامن نشر الرواية مع تعالي بعض الاصوات الأمريكية المؤكدة على عدم شرعية السياسات الإسرائيلية الاستعمارية في العالم العربي، لذلك فإن الرواية تحتشد بخطاب مضاد لما شاع في أمريكا آنذاك، وتأتي في سياق رد اللوبي الصهيوني على أصوات بعض المفكرين المعتدلين في أمريكا مثل (ناعوم تشومسكي)”.

يوضح الكاتب أن هناك رؤيتان مركزيتين يروجهما الخطاب الأدبي الصهيوني حول تاريخ فلسطين ما قبل قدوم المحتل الصهيوني، أحدهما تشير إلى أن فلسطين هى أرض يهودية بالأساس وكانت محتلة من قبائل عربية بربرية، وبالتالي فتأسيس دولة الاحتلال الإسرائيلي جاء لاستعادة حق اليهود، أما الصورة الأخرى فتصور الاحتلال ضمن الرؤية والمنظومة الإستعمارية الغربية، كحركة تقدمية لتحديث هذه المنطقة العربية ودمجها داخل منظومة الحضارة العالمية، وتحاول الإدعاء بتقديم رؤية حيادية حول الصراع العربي الإسرائيلي، تهمش فيه الرؤية الفلسطينية بصورة غير مباشرة كما في روايتي “الحياة على الضد” و”شايلوك في مروج الجليل” للروائي فيليب روث.

في هذا السياق يشير الكاتب في الفصل الثاني من الكتاب إلى أن رواية “الحياة على الضد” لفيليب روث، يمكن قرأتها بطريقيتين مختلفتين، أحداهما القراءة السطحية التي يعيطها النص بكونه يهدف لعرض النزاع الفلسطيني الإسرائيلي من منظور حيادي، بينما القراءة المتأنية للرواية تكشف عكس ذلك: “يعمد فيليب روث من البداية إلى تقديم وطرح تاريخ النزاع في الشرق الأوسط بلغة ومفاهيم يتقبلها القارىء الغربي دون نقاش أو تمحيص، وذلك عندما يلجأ إلى اعتماد استراتيجية روائية يظهر من خلالها الفلسطينيون المقتعلون من وطنهم إما شخصيات لا صوت لها ولا منطق، أو بإسناد أدوار لها تتسم بالدونية والانحطاط، وبتعبير آخر محاولة (روث) اصطناع صوت روائي فلسطيني ضدي يقوم برواية قضية النزاع العربي الفلسطيني لينال منها، بل ويقوض القضية بسبب فيض من الأصوات المناصرة للصهيونية التي تغشى وتهيمن على فضاء النص الروائي”.

في خاتمة الكتاب يوضح الكاتب أن القضية الفلسطينية تأثرت بقوة في الثلاث عقود الماضية بحالة العداء الغربي للإسلام ونظريات صراع الحضارات وتوصيف المسلمين بلعتبارهم إرهابين وقتلة: “إن التناول المتحيز للنزاع العربي الإسرائيلي سواء في رواية “الحج” أو الروايات الأخرى، هو أمر ناتج عن الروايات المعادية للعرب والإسلام المستوحاة من الثقافة الغربية والميثولوجيا الأمريكية، في نظريات (هنتغتون) و(فوكوياما).

لقد تبنت الروايات خطابات عنصرية استعمارية استُخدمت من قبل بحق الزنوج والهنود الحمر، وذلك حين عمدت إلى تصوير الشعب الفلسطيني أدنى عرقيًا من اليهود الصهاينة، وأن الفلسطينين تحكمهم القبلية والتخلف، ويدينون بدين يحض على ثقافة الكراهية”.

يوضح الكاتب أيضًا أن القضية الفلسطينية تعاني أيضًا من ميراث الرؤية الاستشراقية الغربية التي طالما تعاملت مع الشرق الأوسط وأفريقيا باعتبارها عوالم غرائبية خارج التاريخ تدعو للدهشة والرثاء وتنتظر المستعمر الغربي “الرجل الأبيض” لكي ينقذها من تخلفها، وفي هذا السياق يستعرض الكاتب دراسة الباحث “جاك شاهين” التي تحمل عنوان “صورة العربي في الكتب الهزلية الأمريكية” قائلًا: “إن صورة العرب والفلسطينيين في الرواية ليست انعكاسًا للصور النمطية العربية السائدة في الثقافة الأمريكية فحسب، بل امتداد للتمثلات الاستشراقية التي شاعت حول أفريقيا والشرق الأوسط، فثمة الذهنية النمطية عن الشرق، وثمة خرافة القارة المظلمة السوداء، مثلاً في رواية “الحج” يتمثل الفلسطيني للقارىء بوصفه عقبة حادة تقف في وجه التقدم الحضاري”.