قراءة في كتاب: المخابرات في الدولة الإسلامية لمحمد هشام الشربيني

في كتابه ” المخابرات في الدولة الإسلامية” الصادر حديثًا عن دار العربي للنشر بالقاهرة، يُقدم الكاتب محمد هشام الشربيني، قراءة وبحث في منجهية النبي “محمد” في إدارة وتأسيس الدولة الإسلامية في المدينة المنورة، وكيفية التعامل مع التحديات والمتغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والعسكرية في حينها.

يتكون الكتاب من ثلاثة أبواب: الباب الأول بعنوان “الحياة الآمنة قبل الإسلام”، والثانى “الأمن فى الإسلام”، والثالث هو “الدرس الإلهى والدرس النبوى”، ويقول الكاتب في مقدمته للكتاب: “المعلومة المؤكدة أن علم المخابرات هو وليد القرن العشرين، وهو نشاط ضرورى لأمن أى دولة، وإن كنت أتوقف أحيانًا أمام بشاعة بعض أساليبه، إضافة إلى أن شرعية عمل أجهزة المخابرات ورجالها_خاصة في الدول الإسلامية_  مثار جدل واسع رغم أن المعيار فيها هو الحلال والحرام، ولكن ما هو الحلال وما هو الحرام في منظومة عمل المخابرات التي يعتقد البعض أنه وليد العصور الحديثة”.

ورغم أهمية  الفكرة التي يطرحها عنوان الكتاب، وما يتبعها من أسئلة عديدة حول المنظومة السياسية والأمنية في الدولة الإسلامية، إلا أن الكاتب يستغرق في الحديث عن المؤامرات الكونية، من أعداء الإسلام، وخاصة اليهود أو “بني اسرائيل” كما يصفهم ويعتبرهم مصدر الشرور في العالم، ويتتبع بالتفصيل نشأة الإنسان على الأرض وظهور الشر والخوف وغيرها من المعاني والمشاعر التي تؤرق حياة البشر، ودور الشيطان في إفساد الإنسان وتضليله، هذه التفاصيل الكثيرة التي يستطرد الكاتب في شرحها في الباب الأول من الكتاب، تبدو بعيدة تمامًا عن الفكرة الأساسية.

يُشير الكاتب في الباب الثاني من الكتاب بعنوان “الأمن في الإسلام” إلى أن وظائف “جهاز المخابرات”  تركز على جمع المعلومات والتأكد من صحتها وحماية الأمن الداخلي والخارجي للدولة، ووفقًا لهذا المعنى ظهرت بوادر أهمية هذا الجهاز في بناء الدولة الإسلامية في فلسفة الهجرتين التي خاضهما المسلمين في بداية الدعوة، وهما الهجرة إلى الحبشة، ثم الهجرة إلى “يثرب” المدينة، في هذا السياق يقول الكاتب : “كان توجه المسلمين للهجرة إلى الحبشة لعدة أسباب، الظاهر منها الابتعاد عن طغيان قريش، ولكن كان هناك هدفًا آخر مهم للغاية، وهو عرض الإسلام كدين جديد خارج الجزيرة العربية، ولكن بإسلوب غير مباشر من خلال المظهر العام للمسلمين أمام شعب الحبشة”.

ويُضيف : “نلاحظ أن المسلمين الذين هاجروا للحبشة كانوا مزيجًا من أثرياء قريش المهددين من أهلهم مثل أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعه، وكذلك المستضعفين من المسلمين، بالإضافة إلى الأقوياء وذوي المنعة في قومهم ولا يخافون قريش ولكنهم بتوجيه من الرسول هاجروا ومن أبرزهم جعفر بن أبي طالب ابن عم النبي محمد، والذي كان في حماية بني هاشم وعلى رأسهم أخيه علي وعمه حمزة، عبر هذا المزيج يتم اختيار المكان المناسب لتواجد الدعاه سواء المباشرين الذين يدعون للدين الجديد علنًا، أو غير المباشرين الذين يدعون للدين بسلوكياتهم ومعاملاتهم، وهو الأسلوب الذي إتبعه التجار المسلمون بعد عقود في نشر الإسلام في مختلف بقاع العالم”.

أما الهجرة للمدينة فقد إتبع فيها الرسول محمد أسلوب أمني منظم ودقيق للغاية، أسس لمنهجية عمل جهاز الاستخبارات في الدولة الإسلامية، وفي هذا السياق يُشير الكاتب إلى أن الهجرة للمدينة كانت يمكن أن تتم بمعجزة كمعجزة الإسراء والمعراج، ولكن هذا لم يحدث لكي يعطي الله ورسوله درسًا للمؤمنين في اتخاذ الأسباب وكيفية عمل المنظومة الأمنية بصورة جيدة ومحكمة، وقد شهدت الهجرة للمدينة أكثر من درس أمني أولهم: الاعتماد على شخص يمحو الآثر عقب سيرهم في الصحراء حتى لا يستدل المشركين عليهم، والمشي من طريق مختلف وغير معتاد، والبقاء في الغار لثلاثة أيام، بالإضافة لتقديم الدعم المعنوي لرفيقه في الرحلة “أبي بكر” عندما شعر بالخوف من أن يقبض عليهما المشركون.

يُؤكد الكاتب في هذه النقطة على أهمية الدعم المعنوي عبر المقارنة بين موقف النبي محمد وموقف موسى عليه السلام، فبينما وصل جنود فرعون بالقرب من موسى وقومه، ولم يعد أمامه سوى البحر قال قوم موسى :”إنا لمدركون”، فرد عليهم قائلًا: ” كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ “، أما النبي محمد  فقال لأبي بكر: “لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا “،  فبينما إستخدم موسى صيغة فردية للإيمان بالله، استخدم النبي محمد صيغة مثنى تؤكد شراكة أبي بكر في الإيمان، وفي كون الله يحرصهما ويحميهما ويرعاهما ويسمع دعائهما، وهو ربهما وليس رب محمدًا فقط، ومن النقاط التي يُركز عليها الكاتب في الدروس الأمنية في الهجرة هى “المآخاة” بين المهاجرين والأنصار لكي يحدث استقرار داخلي، وتذوب تدريجيًا الحمية القبلية.

في الفصول التالية يرصد الكاتب منظومة عمل جهاز الاستخبارات في الدولة الإسلامية الوليدة ودوره الكبير في الغزوات وفي حماية وتقوية وتوسع الدولة تدريجيًا، مشيرًا للدور الذي لعبه  “العباس” عم النبي بعد غزوة “أحد” حين تم أسره واتفق معه النبي محمد على أن يعود لمكة، وينقل له أخبار ما يحدث هناك، وبالإضافة للعباس كانت هناك العديد من الشخصيات التي تعمل بصورة استخبارتية وقد كان لهم الفضل في تحاشي كثير من المعارك، وفي الانتصار في معارك أخرى بسبب المعلومات المهمة التي كانوا ينقلونها، وكان النبي رغم ثقته في المصادر، يعتمد في تلقي الأخبار على أكثر من مصدر، حتى يكون على يقين من الخبر.

ويُوضح الكاتب الدور الكبير للمنهجية الأمنية والاستخبارتية في مرحلة فاصلة وهى غزوة “الأحزاب” قائلًا :” لم تكن معركة الأحزاب معركة خسائر. بل معركة أعصاب. لم يجر فيها قتال، إلا أنها كانت من أحسم المعارك في تاريخ الإسلام. تمخضت عن تخاذل المشركين. وأفادت أن أية قوة من قوات العرب لا تستطيع استئصال القوة الصغيرة التي تنمو في المدينة، لأن العرب لم تكن تستطيع أن تأتي بجمع أقوى مما أتت به في الأحزاب. ولذلك قال النبي محمد “الآن نغزوهم. ولا يغزونا. نحن نسير إليهم”.