فترة رئاسية واحدة ..تكفى!

حتى الآن، لا تزال مؤسسة الرئاسة تلوذ بالصمت الرهيب إزاء الهوجة التى اندلعت منذ ثلاثة أيام، للمطالبة بإجراء تعديلات دستورية تتضمن ستة مواد، أهمها – أو بالأحرى الهدف منها – تمديد الفترة الثانية للرئيس عبد الفتاح السيسى إلى 6 سنوات وليس 4 فقط، كما هو منصوص عليه فى الدستور، تحت زعم أن الرئيس يحتاج إلى فترة أطول حتى يقوم بتنفيذ برنامجه الرئاسي كاملا، الذى بالمناسبة لا نعرف عنه شيئا واضحا، وحتى يحصد ما زرعه خلال فترة ولايته الأولى!

صمت الرئاسة يمكن فهمه وتفسيره على أكثر من وجه، فقد يكون الرجل رافضا لهذه التعديلات الغامضة، وقد يكون هو الذى يقف ورائها ويحركها من وراء الستار، وقد يكون الرجال الذين يلتفون حوله يحاولون إقناعه بالموافقة على التمديد وجس نبض الشارع واكتشاف ردود الأفعال، وقد يكون هو ورجاله قد فوجئوا تماما بهذه التحركات، وإن كان هذا أضعف الاحتمالات.

أيا كان الأمر، هناك مشكلتين رئيسيتين تقفان حجر عثرة أمام الداعين لمد فترة رئاسة السيسى وهما:

** شعبية الرئيس حاليا فى أدنى مستوياتها بعد انهيار مستويات المعيشة للغالبية العظمى من المصريين، بعد زيادة الضرائب ورفع أسعار السلع والخدمات الأساسية، وزيادة الديون الخارجية لأكثر من 100 مليار دولار مع توقيع اتفاقية مفاعل الضبعة النووى مع روسيا، لا يعرف أحد كيف سنسددها ولا متى؟!، وهو ما ينبىء بفشل ذريع لبرنامج الإصلاح الاقتصادى الذى يتبناه الرئيس ويطبقه بحذافيره طبقا لروشتة صندوق النقد الدولى، مع فشل الرئيس فى تنفيذ وعوده الانتخابية السابقة بعدم رفع الأسعار أو تخفيض الدعم إلا بعد أن يرفع المرتبات، بالإضافة إلى الإجراءات غير الديمقراطية فى مجالات حقوق الإنسان وحرياته وتقييد حرية الصحافة والتعبير، واعتقال الشباب بدون مسوغات قانونية واضحة، وعجز مؤسسات الدولة عن القيام بدورها طبقا للدستور، ومحاولات السلطة التنفيذية الهيمنة على كل مفاصل الدولة، ثم مطالبة الرئيس وسائل الإعلام بنشر الفوبيا من سقوطها بين المصريين، دون أن تراجع أى من مؤسسات الدولة الرئيس فى دعوته الفريدة من نوعها!

**المادة 226 من الدستور تمنع – بوضوح تام – تمديد مدة الرئاسة لأكثر من فترتين، دون أن تشير إلى زيادة سنوات كل فترة، لكن سياق النص الدستورى يحظر مدها، لأنه لو تم مدها إلى 6 سنوات، فسوف تصبح مدة الرئاسة 12 سنة أى 3 فترات وليس فترتين فقط، وهو ما يتعارض تماما مع الهدف من النص الدستورى، الذى يستهدف الحيلولة دون وصول ديكتاتور للحكم، علما أيضا بأنه إبان مناقشة مواد الدستور كانت فترة الأربع سنوات محل تقدير كل القوى السياسية بلا إستثناء، ولم نسمع مثلا أن د. على عبد العال رئيس البرلمان والذى شارك فى لجنة إعداد الدستور اعترض عليها، رغم أنه أصبح ينادى يتمديدها الآن بزعم أننا أصبحنا الآن دولة مستقرة، وهو ما يتعارض من دعوات “الفوبيا” التى ينادى بها الرئيس السيسى!

المشكلة أيضا الرئيس السيسى الذى يرى نفسه “طبيبا للفلاسفة”، وأن كل المسئولين الكبار فى العالم، مع قيادات أجهزة الاستخبارات فى العديد من الدول يستشيرونه ويبحثون عن نصائحه وحكمته، يتجاوز تماما كل النصوص الدستورية التى تحدد صلاحياته واختصاصاته التى ينبغى أن يتشاركها مع رئيس وزرائه في وضع السياسة العامة للدولة، ومع اعتبار أنه مجرد موظف عام رفيع المستوى لا أكثر ولا أقل، فإذا كان الرئيس طبيبا فعلا للفلاسفة فلماذا يحتاج إلى 6 سنوات إضافية لكى يستكمل برنامجه الذى لا نعرفه حتى الآن، فقد كان من المفترض أن تكفى فترته الأولى لتخفيض عجز الموازنة والأسعار، وفتح السجون لا بناء 21 سجنا جديدا، وأن يجعل مصر “أد الدنيا” كما قال هو بنفسه من ثلاث سنوات وعدة شهور فقط، لا أن يجعلها شبة دولة أحيانا، وطابونة أحيانا أخرى!

فى تصورى الشخصى أنه كان الأولى بهؤلاء المطالبين بمد سنوات رئاسة السيسى، أن يقنعونا أولا بأسباب فشل قناة السويس الجديدة فى تحقيق الإيرادات التى توقعها الرئيس بعد أن كلفتنا 64 مليار جنيه، وعن كيفية تسديد ديوننا الخارجية، وعن انفراده بالرأى فى تسليم تيران وصنافير للسعودية، وعن فشله فى هزيمة الإرهاب الذى فوضه الشعب من أجله، وعما يحدث فى سيناء بصراحة، وعن لقائه بنتنياهو فى البحر الميت وفى الاتحادية كما نشرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية، وعن أزمة المياه التى تهددنا بعد بناء 60% من سد النهضة، وعن مشاريعة الكبرى وجدواها الاقتصادية، وأين ذهبت مليارات الخليج؟، ولماذا لم يشعر بها الملايين من المصريين؟!

الأهم من كل ذلك، أن نتيجة الاستفتاء على هذه التعديلات الدستورية قد تكون بالرفض، وهو ما أتوقع شخصيا حدوثه إن جرى هذا الاستفتاء بدون تزوير أو تلاعب، وساعتها سوف يجد هؤلاء الداعين لمد فترة الرئاسة أنفسهم أمام اختيار وحيد وهو مطالبة السيسى بعدم الترشح، لأن الاستفتاء نفسه سيكون بروفة لانتخابات الرئاسة نفسها، ولأنه من الناحية الأدبية يعتبر هزيمة للرئيس ولهم من قبله.

خبرة السنوات الثلاث الماضية تكاد تؤكد أن فترة رئاسية واحدة تكفى للرئيس السيسى، وإن كان يرغب فى الترشح لفترة ثانية، فالباب مفتوح أمامه بشرط أن يقدم برنامجا سياسيا واضحا ومحددا يمكن محاسبته عليه، فى انتخابات حرة ونزيهة فعلا، يخوضها من يشاء، بدون أن يعتقد أى واحد منهم أنه صاحب رسالة سامية لا يريد أن يناقشه فيها أحد أو “أنه شايف كل حاجة” بحكم منصبه الرفيع، أو أنه طبيب فلاسفة أو مهندس صواريخ !