علل الشرائع والوقوع في الفخ

لماذا؟.. أداة استفهام فضولية وفطرية لدى الإنسان، حيث يسعى الإنسان بفطرته دوما لمعرفة الأسباب وراء الأحداث والأشياء، ورغم أنها فطرة إنسانية وغريزة طبيعية لدى الإنسان تساعده كثيرا في تحصيل المعارف واكتساب العلوم إلا أن كثيرا من الفلاسفة والعلماء رأوا أن (لماذا) هي الطريق السطحي للمعرفة، وأن أداة الاستفهام (كيف) هي الأدق والأكثر إفادة.. ورغم ما قد يبدو من اختلاف طفيف إلا أن الفارق في النتائج كبير، فالثورة الصناعية على سبيل المثال، انطلقت حين بدأ العقل الأوربي يتساءل عن الكيفية، وأدرك أن كيفية حدوث الشيء هي الأفضل لمعرفة ماهيته.

وبالرغم من ذلك، لن يكف الإنسان أبدا عن السؤال لماذا؟ بل يكون أحيانا عدم التساؤل مثيرا للقلق ومعبرا عن حالة من البلادة، ولكن في كثير من القضايا خصوصا الجزئية والتفصيلية البعيدة عن العقل الكلي تكون إجابة (كيف) غالبا ما تحمل داخلها إجابة (لماذا) للواعي والمدرك وصاحب العقل.

في الإسلام و بشكل جدي، حرص القرآن الكريم على تقديم الإجابة عن (لماذا) في أغلب القضايا الكلية التي تخضع مباشرة للعقل مثل لماذا خلقنا الله؟ لماذا أنا موجود؟ لماذا أرسل الله رسولا؟ لماذا يكون الله عادلا؟ لماذا يكون الظلم قبيحا؟ وهو ما نسميه اصطلاحا (أصول العقائد) الذي يحتاج الإنسان فيه للاقتناع والتساؤل حتى يطمئن ويكون إيمانه صحيحا.

ولكن على العكس نجد أن القرآن نفسه أيضا لم يحرص بشكل قوي أو ملحوظ على شرح علل الشرائع (الأمور التفصيلية والجزئية والقانونية.. إلخ) فكان يحرص على شرح الكيفية وبتفصيل كبير، على سبيل المثال، عشرات الآيات التي تشرح كيفية تقسيم الميراث وبتفصيل دقيق دون ورود آية واحد فقط تجيب عن سؤال: لماذا للذكر مثل حظ الأنثيين؟.

يقول البعض: إن الكليات تحتاج لشرح العلل، أما التفاصيل الجزئية إذا خرجت من صلب فكرة كلية صحيحة عقلا وسليمة لا تحتاج لبرهنة عقلية، بل هي كما يقول ابن سينا (العقل غير قادر على برهنة صحتها إلا إذا ربطها بأصل كلي تكون منبثقة منه).. وليس هذا موضوع النقاش، وإنما هو محل بحث آخر عنوانه هل يحتاج الإنسان لمعرفة علة التشريع إذا كان مؤمنا بكونه سماويا أم لا؟.

ولكن الحديث الآن عن إشكالية أخرى نعاني منها اليوم انطلاقا من هذا الواقع، وهي أن الإسلام لم يسهم كثيرا في توضيح علل الشرائع والأحكام وتوضيح أسبابها، ولكن مع فضول الإنسان الفطري والطبيعي لمعرفة “لماذا” كان الاجتهاد الفردي -ربما منذ عهد النبوة- في معرفة علل الشرائع شغلا شاغلا لكثير من المسلمين، أحيانا من باب الفضول وأحيانا من باب إثبات صحة التشريع، ومع مرور الزمن أصبحت هذه العلل التي اجتهد البعض في الوصول إليها مقدسة قداسة النص الديني نفسه ومسلم بها.

ومن هنا بدأ الحرج الشديد في العصر الحالي، وعلى سبيل المثال لا الحصر، المسلمون الذين اجتهدوا طوال قرون ليقنعوا البشرية أن الله حرم الزنا لمنع اختلاط الأنساب فوجئوا اليوم بأن العلم بات قادرا على أن يقوم بذلك، أو سيصبح حتى قادرا بشكل أكبر في المستقبل من خلال الحمض النووي وغيره من الاكتشافات العلمية الحديثة التي قد تصل لتحديد نسب الإنسان بمجرد عرض شعرة من شعر رأسه أو بصمة إصبعه، ومثل ذلك أيضا اجتهد المسلمون أن الله حرم الخمر لأنها تذهب العقل وأن الله فرض الحجاب على المرأة حتى لا تفتن الرجال بجسدها وأن الله حرم الخنزير لأن فيه دودة ومرضا؟! وحرم اللواط لأنه يقضي على النسل البشري؟ بالرغم من أن الله لم يقل ذلك أبدا، ولم يصرح في نص قطعي بهذه الأسباب.. ولكن رغم أنها محض اجتهاد إلا أنها تحولت لأسباب مقدسة ثابتة، وحين انتفت أو تم التشكيك بها علميا كان الوقوع في الفخ.

لم يقتصر المسلمون على ذلك، بل راحوا يؤولون كل النصوص الدينية لتكون ملائمة للنظريات العلمية في عصر معين، وراحوا يرفضون بعض النظريات العلمية لأنها فقط تتعارض لا مع النص الديني، بل مع تأويل النص، كنظرية التطور على سبيل المثال.. فمنذ عقود، والمسلمون يرفضون نظرية التطور، وكلما ثبتت صحتها دخل الشك في قلوب آلاف الشباب الذي اعتبروا أن الإسلام يرفض نظرية التطور وأنه بذلك يتعارض مع العلم، بالرغم من أن الإسلام لم يرفضها يوما، ولا تتعارض معه مطلقا، وإنما هي تتعارض مع فهم للنص الديني الذي لم يصرح مطلقا ونهائيا أن آدم هو أول بشري، أو أول الخليقة، بل إن حتى لفظ أبو البشر لم يرد مطلقا في نص قطعي في الإسلام.

وعودة إلى علل الشرائع ، فمثلا بعد أن ظل المسلمون طوال قرون يرون أن حجاب المرأة تم فرضه لأنه يمنع شهوة الرجال ويمنع الإثارة فوجئ الناس أن هناك من ترتدي الحجاب وتكون مثيرة أكثر من تلك التي تمشي مكشوفة الشعر بزي بسيط، بل فوجئ المسلمون أن هناك قبائل إفريقية لا تشعر بالإثارة نهائيا حين ترى صدر المرأة عاريا.. صحيح أن حجاب المرأة (وهو يعني شكل الزي الذي على المرأة المسلمة أن ترتديه) هو فرض في الإسلام، ودعك من أي مشكك يتلاعب، فالنصوص متواترة وصحيحة في تحديد صفات معينة ومحددة لزي المرأة في الإسلام.. ولكن الإشكالية هنا هي لماذا قررنا أن الله فرض الحجاب لأجل كذا أو كذا؟.

وماذا سنقول لتلك المرأة الإفريقية حين تقول لنا إنها لو ارتدت هذه الملابس ربما تكون أكثر إثارة منها لو كنت عارية في قبيلتها؟.
وماذا نفعل عندما يكتشف هذا الجيل الذي أصبح متصلا بالعالم بشكل كبير أن الغالبية العظمى من سكان هذا الكوكب يأكلون لحم الخنزير ليلا ونهارا، وهو اللحم الرسمي والشعبي في شرق آسيا وأوربا وأمريكا، فتنتفي لديه هذه العلة التي تعلمها بأن الله حرم الخنزير لأنه يجلب الأمراض، والفخ الأكبر أن أحد شباب هذا الجيل سوف يسرع وكأنه عالم مجتهد فيبني خطأ على خطا فيقول مدام أثبت العلم أن الخنزير ليس به ضرر فتعالوا نجدد الدين ونقول إن الخنزير حلال؟ ومدام الزنا كان تحريمه لعدم اختلاط الأنساب فإذا تطور العلم لدرجة الكشف عن النسب بسهولة فائقة فتعالوا نلغي قواعد الزواج تجديدا للدين ليكون ملائما للعصر.. إلخ.

هذا الخطأ الذي وقع فيه المسلمون عبر التاريخ هو سبب ما نعانيه اليوم، فكلما تحدثنا عن ما يسمى (بتجديد الخطاب الديني) أو (التنوير) نجد أنفسنا نتعامل مع علل الشرائع كأنها أصل ثابت من خلاله نجتهد، وهي ليست كذلك.. فالخمر قد لا يذهب العقل فعلا لدى الكثيرين، وأيا ما كانت أضراره الصحية والنفسية والمعنوية والمادية فلم يقل لنا الله هل حرمه علينا لذلك أم لأسباب أخرى.
وهنا لا أدعو لوقف التساؤل حول علل التشريع، ولكن أدعو للوقف التعامل مع هذه الاجتهادات كأصل ديني ثابت نبني عليه فهمنا للتشريع ونجدد الفقه بناء عليه.

فهل لو استطاع العلم أن يصنع رحما داخل الرجل ويجعله قادرا على الإنجاب ستصبح وقتها المثلية الجنسية حلالا لانتفاء علة انقراض النوع؟ الله أمرنا أن نطوف بالكعبة لأنها مركز الأرض؟ متى قال الله ذلك؟ وماذا لو ثبت أنها ليست كذلك فهل نذهب لمركز الأرض الجديد لنطوف حوله؟.

إن أول تجديد حقيقي هو عدم البناء على هذه الاجتهادات التي تتسبب اليوم في إدخال الشك في قلوب آلاف من المسلمين رغم أن الله بريء منها.

ومن هذه الإشكالية ننطلق لإشكالية جديدة مترتبة عليها، وتتمثل في تساؤل مشروع:

هل نصل من هذه النتيجة إلى أن الشريعة جامدة وغير متطورة؟ وأن صلاحيتها غير أبدية ومرتبطة فقط بزمانها ومكانها كما يقول البعض.. فالظاهر أنه وبناءً على ما سبق، ومادمنا لا نعلم علل الشرائع بشكل قطعي، فالشريعة لا يمكن تغييرها أو تطويرها إلا في حدود ضيقة جدا؛ لأن النص غير متغير مهما تغير الزمان أو المكان .. ولكن قبل أن نتجه في هذا الاتجاه علينا أولا أن نفهم سويا ما هي الشريعة التي نصفها بأنها جامدة؟

الشريعة هي مجموعة من القوانين والآليات والأحكام تهدف إلى تنظيم حياة الناس، ومن هذا التعريف العام نخلص إلى أن البشر يحتاجون للشريعة بمفهومها العام في كل زمان ومكان، فأي تجمع إنساني يخلو من الشرائع يصبح بالضرورة همجيا وفوضويا، فالشريعة صلاحيتها أبدية طالما كان هناك إنسان يعيش على هذا الكوكب، والاحتياج للتشريع والتنظيم فطري إذا استثنينا بعض المدارس الحديثة التي تتبنى اللاسلطوية والشكل الحيواني للمجتمع الإنساني، وهي مدارس شاذة عن المجموع ..

ونقول أن التشريع كان ومازال له مصدران على مدار التاريخ، فإما أن يكون بشريا محضا يجتهد الناس في صياغته وتنظيمه، وإما أن يكون إلهيا عبر وسيط بشري حسب ما يعتقد المتدينون في العالم، وفي الحالتين يتحول التشريع إلى مجموعة من النصوص المكتوبة التي يطبقها الناس في المجتمع بكل مؤسساته وهيئاته .. وفي الحالتين أيضا وبعد وضع النصوص وحفظها يتم وضع جهة محددة من نفس “نوعية المصدر” تكون مسئولة بشكل كامل عن تغيير أو تطوير او حتى إلغاء تشريعات وأحكام.

في الحالة الأولى يكون خبراء القانون وعلماء الاجتماع والمتخصصين الذين يختارهم “الناس” بصفتهم مصدر التشريع هم من لهم حق مراجعة التشريعات والأحكام دون الخروج عن الهدف الكلي، الذي وضعت من أجله التشريعات، والتي حددها “الناس” بصفتهم مصدر للتشريع.. وإذا حاول البعض تطويرها بشكل خارج عن الأهداف الكلية المحددة مسبقا أو بآلية مغايرة لتلك الآليات التي حددها الناس فيعتبر وقتها “مارقا أو خارجا عن الشريعة”. ويسوء الحال بالضرورة حال تصدي خبراء وعلماء مزيفين وأصحاب مصالح للتشريعات والقوانين، فيتمسكون بالنصوص ويحرفون معناها بما يفيد توجهاتهم ومصالحهم، وليس هناك ضمانة إلا التحري بدقة والبحث بشكل جدي عن خبراء مخلصين وحقيقيين ولاؤهم الأول والأخير ل”الناس” بصفتهم مصدر التشريع ..

وفي الحالة الثانية يكون خبراء القانون لو صح التعبير والعلماء الذين يختارهم “الله” بصفته مصدر التشريع هم من لهم حق مراجعة التشريعات والأحكام دون الخروج عن الهدف الكلي، الذي تمت من أجله التشريعات، والتي حددها “الله” بحسبه مصدر التشريع .. وإذا حاول البعض تطويرها بشكل خارج عن الأهداف الكلية المحددة مسبقا أو بآلية مغايرة لتلك الآليات التي حددها الله  فيعتبر وقتها “مارقا أو خارجا عن الشريعة” .

ويسوء الحال بالضرورة حال تصدي خبراء وعلماء مزيفيين وأصحاب مصالح للتشريعات والقوانين فيتمسكون بالنصوص ويحرفون معناها لما يفيد توجهاتهم ومصالحهم وليس هناك ضمانة إلا التحري بدقة والبحث بشكل جدي عن خبراء مخلصين وحقيقيين ولاؤهم الأول والأخير ل”الله” بصفته مصدر التشريع ..

ولست في هذا المقال بصدد التفضيل بين الحالتين وإنما لشرح أن الإشكالية موجودة لدى الحالتين، وأن ما يثار حول إشكالية جمود الشريعة الإسلامية ببساطة هو إشكالية لدى أي تشريع، وأمام هذه الإشكالية توجه المسلمون ل 3 طرق، الطريق الأول كان هو الالتزام بالنص الديني والاجتهاد في حدوده ومع مرور الوقت أيضا توقف الاجتهاد في حدوده، وأصبح اجتهاد في حدود المجتهدين الأوائل، وهم من يعرفون بأهل الحديث أو السلفيين أو الإخباريين، أما الطريق الثاني فاعتبر أن العلماء الذين يشهد لهم بالعلم هم أهل التشريع والتطوير والتجديد، وأن شريحة العلماء إذا صلحت وأخلصت حقا يصلح شأن الامة، وإذا نخرها السوس فسدت، وفسدت معها الأمة، وهذا الطريق الثاني يجعل الشريعة الإسلامية والشريعة البشرية على قاعدة واحدة، من حيث أن فمن يغلب الشريعة البشرية على الإسلامية، فهو مغالط لنفسه؛ لأنه لا يبدو هنا فارق كبير وجوهري بين الحالتين، كما شرحنا مسبقا، أما الطريق الثالث فاعتبر أن أهل العقل والحكمة هم رجال الله الحقيقيين، وأن أهل العقل المؤمنين بكون العقل ومنهجهه حاكما على النص هم القادرون على حمل لواء الشريعة؛ لتكون صالحة في كل زمان ومكان، وأنه بما أن “الله” هو عقل هذا الكون والمدبر وصرف الوجود الناتج عنه كل موجود، فكلما اكتمل عقل الإنسان صار أقرب في اتصاله بالعقل الكلي ومدبر الوجود، ومن يصل بعقله لحد الكمال البشري يكون رجلا لله ووسيطا لترجمة شرائعه وأحكامه، وهو من يسميه أفلاطون في جمهوريته “الفيلسوف الحاكم” أو “جمهورية الفلاسفة” وفي هذا الطريق يكون التشريع الإلهي أقوى بمراحل من التشريع البشري كونه لا يخضع لتجارب ومغامرات، وحارسه على الدوام العقل، وسلاحه المنطق، وجيشه الحكماء والعقلاء .