عزة كامل لـ«البديل»: رضوان الكاشف انتصر للعدل والجمال والمهمشين

ظل 10 سنوات يبحث عن منتج لأفلامه ولم يرضخ لمعايير السوق

دراسته للفلسفة عمقت شخصيته وساعدته على قراءة التفاصيل

«عرق البلح» رفع من السينما بعد أسبوع واستمر عرضه بفرنسا 6 أشهر

تميزت أفلامه بالواقعية السحرية، فهو لم يقدم الواقع بصورة مباشرة، بل مزجه بعالم أسطوري ساحر، وكانت تنتصر للغلابة والمهمشين بطريقة فنية، كما كانت تنتصر للعدل والقيم الجمالية، بعيدا عن الخطب الرنانة والمشاهد المباشرة.

هكذا تحدثت الكاتبة والروائية الدكتورة عزة كامل، فى حوارها لـ”البديل”، عن زوجها الراحل المخرج الراحل رضوان الكاشف، صاحب المسيرة الفنية قصيرة المدة قليلة الإنتاج، غزيرة الإبداع شيدة الثراء والعمق.

وإلى نص الحوار..

ـ لماذا اكتفى بـ3 أفلام روائية طويلة فقط؟

على عكس ما يعتقد البعض، كان “عرق البلح” هو أول أفلام رضوان، وليس “ليه يا بنفسج”، وواجه الفيلم صعوبات كبيرة حتى خرج إلى النور، إذ لم يجد آنذاك منتجا يتبنى فكرة فيلم تدور عن حياة قرية هاجر أهلها بالصعيد، وظل 10 سنوات يبحث عن منتج له، وأثناء هذه الفترة أخرج فيلم “ليه يا بنفسج” وشارك في كتابته مع المؤلف سامي السيوي، ولم يجد له منتجا بسهولة أيضا، والحقيقة أنه لولا المنتجة ماريان خوري، لما رأى فيلم “عرق البلح” النور، فقد بذلت مجهودا كبيرا لا يجب نسيانه في إنتاج الفيلم من خلال شركة أفلام مصر العالمية.

ـ كيف تجاوز الصعوبات التي عرقلت مسيرته الفنية؟

بلا شك كان يحبط ويحزن أحيانا كثيرة مثل أي مبدع عندما يُؤجل تنفيذ مشروعه الفني، ولكن كان لديه مبدأ وإصرار على تقديم سينما يحبها تعبر عنه وتمثله، وليس لمجرد إخراج أي فيلم، فهو عانى من معايير السوق التجارية، وواجه مشكلات إنتاجية كبيرة في أفلامه لكنه لم يرضخ لها إطلاقا، بدليل موضوع فيلمه “ليه يا بنفسج” الذي تناول المهمشين والبسطاء في أحد الأحياء الشعبية.

ـ ما هي كواليس “ليه يا بنفسج”؟

أستطيع أن أجزم بأن كل فريق العمل كان مبسوط جدا بالعمل مع رضوان، وهذه الأرضية نجح في بنائها عندما كان يعمل مساعد مخرج مع عدد من كبار المخرجين آنذاك مثل يوسف شاهين وداود عبد السيد وآخرين، فكان ينجح في أن يجبر الممثلين على احترام مواعيد التصوير والالتزام بكل الملاحظات، وبالتالي كان الجميع يقف وراء مشروعه ويشجعه على تنفيذ تجربته السينمائية الأولى، فكانت الكواليس احتفالية جدا بأول أفلامه.

ـ من أكثر المخرجين الذين كان يفضل العمل معهم كمساعد؟

داود عبد السيد، إذ لم تكن العلاقة بينهما علاقة عمل فقط بل كانت تربطهما صداقة قوية، وكانت تدور بينهما نقاشات طويلة في كافة القضايا، أيضا كان يحب العمل مع خيري بشارة، وفى الحقيقة كان شخصا محبا للمعرفة والتعلم، وأي مخرج شاركه العمل كمساعد كان يستفيد من كل التفاصيل.

ـ ما الذي ميز تجربته السينمائية؟

تميزت أفلام رضوان بالواقعية السحرية، فهو لم يقدم الواقع بصورة مباشرة، بل مزجه بعالم أسطوري ساحر، ويتضح ذلك بقوة في فيلمه “عرق البلح”، هذه القرية التي هاجر رجالها سعيا للرزق، وتم تقديم واقع مرير يعانيه أهلها عندما تفقد القرية هؤلاء الرجال، ولكن في ذات الوقت مزج هذه الواقعية بعالم عرق البلح الأسطوري وعادات وتقاليد وطقوس القرية البعيدة في أجواء ساحرة، وفى رأيي ساعده على ذلك عشقه ودراسته للفلسفة وأبحاثه فيها عن ابن عربي، الفارض، وكتابات عن تجديد الفكر عند زكي نجيب محمود وآخرين، وبلا شك ساهم هذا الجانب في إثراء شخصيته وساعدته على دراسة التفاصيل بعمق وقراءة أبعاد كل قضية بطريقة مختلفة.

ـ لماذا سماه بعض النقاد سفير المهمشين؟

لأن أفلامه تنتصر للعدل والقيم الجمالية، بعيدا عن الخطب الرنانة ومشاهد الثورة والمظاهرات المباشرة، ولكنه ينتصر للغلابة والمهمشين دائما بطريقة فنية، وهو أمر طبيعي لرجل يساري مثله، فيلم “عرق البلح” رغم ما يحمله من فلسفة وعمق فإن مشاهد عودة رجال القرية الذين هاجروا وتركوا أهلهم ونساءهم في توابيت خشبية كان شديدة الواقعية والتأثير، فهذه حالة المصريين الذين كانوا يسافرون العراق والخليج خلال فترات زمنية ماضية، رضوان كان صاحب موقف وقضية، يهتم بالإنسان والتغيرات التي تطرأ عليه نتيجة للظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المحيطة.

هناك أفلام كثيرة ناقشت الانفتاح الاقتصادي وتوابعه الكارثية، ولكن يظل “عرق البلح” الأكثر صدمة، للجمهور والنقاد، فقد عبر بواقعية شديدة القسوة عن هؤلاء الذين يهاجرون من أجل لقمة العيش ثم يعودون في صناديق، وكانت هذه لحظات مريرة عبر عنها بعناية.

ـ كيف ظهرت المرأة في أفلامه؟

انتصر رضوان للمرأة بطرق مختلفة في أفلامه، وليس المرأة فقط، فهو لا يدين شخصياته على الشاشة، فمثلا “شفا” التي جسدتها الفنانة منال عفيفي، في عرق البلح، لم يحكم عليها عندما خانت زوجها، لأنه رأى أن ما فعلته نتيجة طبيعية لظروف أكبر من الشخصية، وأعتقد أن المشاهدين تعاطفوا مع مشهد حرقها في الفيلم أكثر من إدانتها، وهناك أيضا شخصية “زيد الخير” السيدة القوية التي تحمل أسرار القرية، والحارس على عاداتها وتقاليدها، وكذلك هناك عبلة كامل التي تدخن في قرية محافظة مغلقة، فالفيلم بصفة عامة ناقش بجرأة حرمان المرأة العاطفي والجنسي، والتغيرات الإنسانية التي طرأت على حياة النساء بعدما هاجر أزواجهن.

ـ وكيف قدّم الجنوب؟

أعتقد أن رضوان قدم الصعيد بصورة مختلفة بعيدا عن تعالي المثقف القاهري المعتاد، وذلك يعود لكونه ابن محافظة سوهاج، وجنوبيا حتى النخاع، وكان عاشق له وعلى دراية بأعمق تفاصيله مثل يحيى الطاهر عبد الله، وأعتقد لذلك عبر بصورة صادقة عنه في “عرق البلح”، وهو لم ينفصل عن الصعيد يوما وكان يسافر باستمرار.

ـ كيف تغلب على أزمة رفع “عرق البلح” من دور العرض بعد أسبوع؟

كانت أزمة كبيرة، أكثر شيء يقتل المبدع هو حرمان المشاهدين من رؤية فنه وأفلامه، ظل يعانى من هذا الموقف لفترة ليست قصيرة، كان محبطا وحزينا، رغم أن الفيلم حصد أكثر من 20 جائزة دولية وعربية، بل ظل معروضا بدور العرض بفرنسا لمدة 6 أشهر، ولكن كل ذلك لم يعوض رغبته في أن يشاهده الجمهور المصري، وذلك بسبب سوء التوزيع والتنظيم وغياب الدعاية للفيلم.

ـ وماذا عن رضوان الكاشف السياسي الثائر؟

رضوان الكاشف كان مؤمنا بالمشروع الناصري رغم أنه لم يكن ناصريا، ولكنه كان ضد القمع واعتقال المعارضين السياسيين، كان ضد التضييق على حرية الرأي والتعبير، وكان ناشطا جدا في الحركة الطلابية، وشارك في انتفاضة الخبز 1977 وكان له موقف رافض جدا من التطبيع وتوقيع السادات لمعاهدة السلام مع الكيان الصهيوني، وتم اعتقاله مع مجموعة المثقفين والسياسيين فى حملة سبتمبر 1981.