عبد الفتاح الجمل.. بستان أينعت في أرجائه ألف زهرة

لو ذكرت أمامك اسم عبد الفتاح الجمل هل ستعرفه، وإذا عرفته هل تعرف عنه الشيء الكثير؟.

طيب لو ذكرت أمامك أسماء عبد الرحمن الأبنودي ويحيى الطاهر عبد الله وجمال الغيطاني وإبراهيم أصلان وسيد حجاب وأمل دنقل وعشرات من الكتاب والأدباء والفنانين، في الأغلب الأعم أنك سوف تذكرهم جميعاً أو سوف تتذكر أغلبهم على الأقل.
قد لا تعرف أن هؤلاء جميعاً نبتت زهرتهم في بستان عبد الفتاح الجمل؟

كثير من الأدباء والقصاصين والشعراء والنقاد والمترجمين والفنانين التشكيليين وصناع السينما كان عبد الفتاح الجمل هو تأشيرة الخروج من عتمة التجاهل إلى نور الاعتراف بمواهبهم.

لو راجعت هذه الصفحات الأربع التي كانت تصدرها جريدة المساء في ستينيات القرن الماضي كملحق أدبي لوجدت فيها قائمة تضم الأغلبية الساحقة للكتاب والأدباء والشعراء والنقاد الذين أثروا حياتنا الثقافية على مدار العقود الست الماضية، وكانت محطتهم الأولى في مرفأ عبد الفتاح الجمل ومنها انطلقوا وانطلقت بهم مواهبهم كلٌ في مجاله.

إذا حاولت أن تصف عبد الفتاح الجمل في كلمات قليلة فلن تجد أبلغ من وصفه بالبستان الذي أينعت فيه ألف زهرة في كل مجالات الأدب والفن والثقافة.

في القصة قدم الجمل أسماء كثيرة منها محمد البساطي ويحيى الطاهر عبد الله وجمال الغيطاني ومحمد المنسي قنديل وإبراهيم أصلان وسعيد الكفراوى وجميل عطية إبراهيم ويوسف أبو ريه ومجيد طوبيا وآخرين.

وفي الشعر ظهرت على صفحات الملحق الأدبي لجريدة المساء التي كان يشرف عليها عبد الفتاح الجمل أسماء كثيرة على رأسها: أمل دنقل وعبد الرحمن الأبنودي وسيد حجاب وآخرين.

وعلى الصفحات نفسها ظهرت ولمعت أسماء كتاب ونقاد كثيرين منهم: إبراهيم فتحي وصلاح عيسى وغالب هلسا وسامي خشبة وخليل كلفت وعبد الرحمن أبو عوف وفوزي سليمان ومحمد كامل القليوبي وكمال رمزي ويسرى نصر الله وآخرين.

وقدم عبد الفتاح الجمل ريشة الكثير من الفنانين المصريين الموهوبين على صفحات الملحق الأدبي تصاحب رسوماتهم هذه الأعمال الأدبية.

كانت رعاية عبد الفتاح الجمل لتلك الكوكبة من الموهوبين تتجاوز التعريف بهم وإخراج إنتاجهم إلى فضاء النشر، بل كان يقوم بما هو أهم وأبقى فقد كان يرعاهم بمحبته، لا يبخل بالنصيحة أو بالكتب، يتحاور معهم، ويمنحهم خبرته الحياتية والأدبية، فضلاً عن ترفعه ومبدئيته التي لا يدانيه فيها إلا القليل.

الأجمل من كل هذا أن مشروع عبد الفتاح الجمل الأدبي والثقافي يكاد يكون اقتصر على الاهتمام بالمشاريع الأدبية والفنية للكثير من المواهب التي سعت إليه أو سعى هو إليها لكي يطلقها من منصته إلى فضاء الأدب والفن والثقافة، قضى عمره في خدمة المشروع الثقافي العام، عبر الاهتمام بالمواهب الجديدة وتقديمها على الجمهور وكان هو أول من أعطاهم فرصة النشر في ملحق كانت تتسابق أيدي القراء وعقولهم لكي تنهل منه روائع الأدب والثقافة والفنون.

ظل الإنتاج الأغزر في بستان عبد الفتاح الجمل الأدبي والثقافي مِلكٌ لتلك المواهب الجديدة التي قدمها، وبقى إنتاجه هو الأقل، له ثلاث روايات فقط، هي رواية «الخوف» عام 1972، و«آمون وطواحين الصمت» عام 1974، ورواية «وقائع عام الفيل كما يرويها الشيخ نصر الدين جحا» عام 1979، ورواية «محب» عام 1992، وله ترجمات قيمة، ولكن كتابات عبد الفتاح الجمل تبقى منثورة على صفحات الجرائد والمجلات التي كتب لها على طول مشواره الأدبي والثقافي، منها كتاباته تحت عنوان «يوميات شعب»، وتحت عنوان «مع الناس»، وتحت عنوان «كلمة»، وجميعها منشورة بجريدة «المساء» في خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وهناك كذلك كتاباته تحت عنوان «سيما أونطة» بجريدة السينما والفنون عام 1977.

المحزن في كل ذلك أن هذا الاسم الذي لمعت على يديه وبفضله أسماء العشرات يكاد يكون نسياً منسياً ولا تعرفه الأجيال الجديدة من الكتاب والأدباء الشبان.

والمفجع بالنسبة لي أن أسمع من صديق أن ورثته يشاركون في التعتيم على إنتاج عبد الفتاح الجمل، وقد استمعوا إلى نصيحة البعض ممن رأوا في تلك الكتابات آراء تغضب الرب لا يجوز نشرها حتى لا تكون وبالاً عليه في موته، لتبقى تلك الأعمال محجوبة عن النشر بفعل إهمال الكثير منا، وبفعل فكرة جاهلة تعيق نشرها.

واليوم وقد ترأس صديقنا الكاتب الصحفي المبدع أسامة الرحيمي القسم الثقافي في جريدة الأهرام أطالبه من هنا بأن تتبنى الصفحات الثقافية في الأهرام وغيرها من الصفحات الجادة فكرة إعادة تجميع كتابات عبد الفتاح الجمل، والمطالبة بإصدار أعماله الكاملة، وأن تتبنى الهيئة العامة للكتاب عملية الإصدار في أقرب فرصة، ولتكن في ذكراه القادمة أثناء المعرض الدولي للكتاب المقبل، فربما يكون هذا سداد لبعض الدين الذي علينا أداؤه لذكرى رجل نبتت على يديه ألف زهرة في بستان الأدب والثقافة.