ضرورات ليبيا تبيح محظورات ريجيني

في الوقت الذي فرضت فيه ضرورات تعاون حكومتي القاهرة وروما في ملف الأزمة الليبية، دفن قضية مقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني في الدرج، نشرت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية تقريرا مطولا أعاد القضية إلى السطح مرة أخرى.

تقرير الصحيفة الذي بلغ نحو 6000 كلمة تحدث عن أن أجهزة المخابرات الأمريكية حصلت من مصادرها في القاهرة مطلع 2016 على أدلة قوية تثبت تورط الأمن المصري في قتل ريجيني، ما دفع الرئيس الأمريكي أوباما إلى إجراء مشاورات حينها مع مسؤولي وزارة الخارجية والبيت الأبيض انتهت إلى ضرورة تمرير هذه المعلومات إلى حكومة رينزي.

الصحيفة نقلت عن مسؤول أمريكي إن “المعلومات المخابراتية لم تحدد بوضوح هوية المسؤول أو الجهة التي أمرت بالقبض على ريجيني وتعذيبه وقتله”، لكنه أضاف “لا شك لدينا في أن قضية ريجيني كانت معروفة لدى الحكومة المصرية على أعلى المستويات بغض النظر عما إذا كانت هذه المستويات العليا تتحمل المسؤولية أم لا”.

ومنذ ذلك الوقت تبنت الحكومة الإيطالية موقفا متشددا تجاه القاهرة، بحسب الصحيفة، حيث جرى استدعاء السفير الإيطالي لدى القاهرة بهدف الضغط من أجل الكشف عن الحقيقة، في الوقت نفسه تواصل التعاون بين سلطات التحقيق في مصر وإيطاليا وتبادلت وفود النيابة العامة في البلدين الزيارات واللقاءات.

وبعد مرور حوالي عام ونصف العام على تفجر القضية أعلنت وزارة الخارجية الإيطالية قبل يومين موافقتها على إعادة سفيرها إلى القاهرة، مع التأكيد على مواصلة الجهود من أجل الكشف عن حقيقة مقتل ريجيني، وفقا للصحيفة.

رحلت إدارة أوباما وحلت العهدة الترامبية، وأدى التعاون بين الحكومة المصرية ونظريتها الإيطالية في الملف الليبي إلى طي صفحة ريجيني ولو بشكل مؤقت، وقال مصدر دبلوماسي مطلع بالقاهرة إن زيارة رئيس لجنة الدفاع بمجلس الشيوخ الإيطالى، نيكولا لاتورى، لمصر الشهر الماضي مهدت لعودة السفير الإيطالي للقاهرة، والذي كان قد تم استدعاؤه إلى بلاده للتشاور علي خلفية مقتل الطالب الإيطالي.

واعتبر بيير فيرديناندو كازيني، رئيس لجنة الشئون الخارجية في مجلس الشيوخ الإيطالى أن “تعزيز التعاون القضائي في قضية ريجينى والصعوبات الجديدة التى تواجه عملية الاستقرار في ليبيا جعلتا هذه الخطوة ضرورية”.

لم يكن يتوقع أحد أن تقبل روما بالتهاون في دم الطالب الذي تحولت جنازته إلى مظاهرة غضب ضد مصر ونظامها، ولم يخطر على بال والدة ريجيني التي صرخت في قاعة البرلمان الإيطالي قائلة “قتلوه لو كان مصريا” أن تضيع دماء ابنها التي سالت في مصر في تفاصيل اتفاقات سياسية بين حكومتي القاهرة وروما، ولم يعرف عن الإعلام الغربي المشاركة في التعتيم على قضية من هذا النوع لدعم مبادرة “تثبيت الدولة الإيطالية”.

منطق رجال السياسية والحكم إن مصالح الدول العليا لا تعرف العواطف ولا الأخلاق، لكن تطبيق العدالة أو التظاهر حتى بإنفاذها واخضاع أي مسئول في الدولة للمحاكمة يدعم الشرعية ويثبت دعائم الدول، والعكس يدفع الشعوب إلى اليأس بكل قيم الحياة، ساعتها يصبح الموت طريق إلى الخلاص، فمن التحق بداعش من دول الحريات واحترام الحقوق لم يسلم نفسه إلا بعد المرور بتجربة دفعته إلى الكفر بكل ما تدعيه أنظمة تلك الدول.