سلامة موسى

كنت فى ذروة حمى القراءة أو الثقافة التى أصابتنى وأنا فى منتصف دراستى الجامعية، فى تلك الفترة، كنت بمجرد أن اكتشف مكتبة جديدة، أهرع إليها ولا أتركها إلا بعد أن أفحص كل رفوفها وأركانها، وذات يوم كنت أسير مع بعض أصدقائى فى مصر الجديدة، لفت نظرى مكتبة فى ميدان روكسى، مكتبة متواضعة مدخلها تحت سلم يؤدى إلى فرع بنك، تركت أصدقائى وتوجهت مباشرة لهذه المكتبة.

عيب المكتبات المتواضعة، وقد تكون ميزتها فى ذات الوقت، أن الكتب تكون موضوعة فيها بلا ترتيب أو نظام واضح، قد تجد كتابا فى التاريخ مثلا فى قسم الفلسفة، أو تجد رواية لنجيب محفوظ وسط كتب الأطفال، لكن بالنسبة لشخص مصاب بحمى الثقافة مثلى كانت كنزا، وكنت أشبه بعلى بابا داخل مغارة مليئة بالكنوز والمجوهرات. وأثناء استمتاعى باكتشاف المكتبة وتصفح كتبها ومجلداتها، وجدت كتابا صغيرا بعنوان “فن الحب والحياة”، لكاتب لم أسمع عنه من قبل اسمه سلامة موسى (1887- 1958)، لا أتذكر ما الذى جذبنى لهذا الكتاب، قد يكون تصميم الغلاف، وقد يكون العنوان، وقد يكون السعر، كان بأربعة جنيهات فقط، لكن بمجرد أن قرأت بضع سطور منه قررت أن أشتريه على الفور. كانت كلمات مختلفة عن كل ما قرأت من قبل، كلمات كاتب صادق ومستنير وشجاع قرر أن يتحدى تقاليد المجتمع الذى يعيش فيه، يتحدى تقاليده الرجعية المتخلفة، ويرسى أسس مجتمع جديد قائم على العلم والثقافة والتنوير.

وفور أن عدت للبيت شرعت فى قراءة الكتاب، وانتهيت منه فى نفس الليلة. سحر الكتاب وبساطة اللغة وعبقرية المؤلف جعلتنى أعود للمكتبة فى اليوم التالى لشراء كل الكتب الأخرى للمؤلف الموجودة بالمكتبة: التثقيف الذاتى، الشخصية الناجعة، مشاعل الطريق للشباب، حرية الفكر، كتاب الثورات، الاشتراكية، الأدب للشعب، المرأة ليست لعبة الرجل، افتحوا لها الباب، نظرية التطور وأصل الإنسان، مصر أصل الحضارة، ما هى النهضة؟ ومن مجرد قراءة عناوين تلك الكتب يمكن بسهولة التعرف على توجه سلامة موسى التنويرى التقدمى، والغاية التى كان يسعى إليها، والهدف الذى كان يرمى إليه. لو عاش المفكر الكبير السابق لعصره سلامة موسى حتى هذه السنوات، لظل يدافع عن نفس هذه الأفكار والقضايا، ويكافح من أجل تحرير الوطن، وتحرير المرأة (حقها فى التعليم والعمل والحياة العامة)، وتحرير الاقتصاد الوطنى، والتخلص من الخرافات والغيبيات، والتطلع إلى العلم، وبناء الصناعة، وتحقيق الاشتراكية. فعلى الرغم من مرور حوالى القرن على بدء رسالته، إلا أن القضايا ذاتها ما زالت ملحة ومتفجرة فى مجتمعنا، ومن هنا أشعر بأن سلامة موسى ما زال يعيش بيننا بكلماته وأفكاره وكفاح حياته، بل ومن حقه علينا أن يسألنا: ماذا حققتم خلال هذا القرن؟ ولماذا لم تستجيبوا لمشروعى الثقافى والاجتماعى الذى كافحت من أجله؟

كان مشروع سلامة موسى لتطوير المجتمع المصرى هو ثمرة المشروعات المتعددة للحركة الوطنية السابقة عليه، وقد أضاف إليها من واقع معايشته للمجتمع المصرى ولقائه المباشر بأوجه الحضارة الحديثة. كان سلامة موسى يرى أن التقدم الذى أحرزته الحضارة الحديثة فى الغرب يقوم على العلم والمنهج العلمى والتكنولوجيا الحديثة، وكان يرى أن الحضارة العربية الإسلامية فى أوج ازدهارها قد شاركت بنصيب موفور فى عصر النهضة الأوروبية بما اقتحمته من تجارب علمية فى الكيمياء والفيزياء والطب والرياضيات، ولم تكن هذه الحضارة مجرد ساعى بريد بين اليونان وأوروبا. وقد استلهمت النهضة الأوروبية المنهج التجريبى للحضارة العربية الإسلامية بالتخلص من خرافات العصور الوسطى وإعمال العقل وحرية الفكر، وقد أنقذت هذه المبادئ – وبفضل موكب ضخم من شهداء العلم والمعرفة – أوروبا من عصور الظلام وافتتحت بها عصر التنوير والحضارة الحديثة.

وبما أننا لن نبدأ – بعد عصور طويلة من التخلف – من نقطة الصفر، فليس أمامنا سوى طريق واحد للتقدم هو طريق العلم والمنهج العلمى، وما يؤدى إليه هذا الطريق من نتائج فى الصناعة، والاقتصاد، والديمقراطية، والتنظيم الاجتماعى، وحرية المرأة، وحرية الفكر والتعبير والاعتقاد.

لقد تعلم كاتب هذه السطور الكثير من أستاذه سلامة موسى الذى لم يره، تعلم منه أن الثقافة ليست ترفا وإنما ضرورة، وأن الإنسان يجب أن يظل يقرأ ويثقف نفسه حتى آخر يوم فى حياته، ليظل عقله نشطا وفكره متقدا، تعلم منه أن الإنسان يجب أن تكون له فلسفة فى الحياة، ويجب أن يجاهر بما يعتقد أنه الحق مهما كانت الصعاب، تعلم منه أن الكاتب يجب أن يحيا ما يكتبه، ويكتب ما يحياه، ليكون صادقا مع نفسه ومع قرائه. تعلم منه أيضا أن الإنسانية فى حد ذاتها دين، وأن المؤمن الحقيقى هو الذى يؤمن بالإسلام والمسيحية واليهودية وكل الديانات الأخرى، ويسترشد بمحمد، ويحب عيسى، ويستنير بموسى، ويتأمل كنفوشيوس، ويعجب بزرادشت، ويهفو إلى بوذا، ويحترم ويقدر إسهامات أرسطو، وديكارت، وكانط، وهيجل، وماركس، وراسل، وديوى، وكل الفلاسفة القدماء والمعاصرين، ويشعر أن كل هؤلاء أسرته وأقرباؤه فى الروح، يستلهم منهم جميعا الحق والخير والجمال والعدل والرحمة.