ذكرى رابعة.. وعقل الجماعة المأزوم

فى مثل هذا اليوم من كل عام ومنذ ثلاثة أعوام، تتجدد ذكرى فض اعتصام رابعة الذى يدعى النظام أنه كان اعتصاما مسلحا، وتدعى الجماعة أنه كان اعتصاما سلميا، وبعيدا عن موضوع السلمية أو العنف الذى لم يعد من المسائل المختلف عليها الآن، خصوصا بعد تورط أجنحة من الجماعة فى العنف واعتباره خيار استراتيجى وحصوله على دعم أجهزة مخابرات دول فى الإقليم راهنت على جر الإخوان نحوه ومولت بشكل كثيف، وهو ما أثمر بروز كيانات مسلحة كحسم ولواء الثورة التى دشنت جناحا سياسيا فى محاولة لتسويقها باعتبارها حركة تحرر وطنى فى مواجهة قوات الاحتلال الوطني.

تبدو فكرة المحنة فكرة مركزية واختيارا نفسيا مريحا يبرر حال الفشل والهزيمة للمشروع الإخوانى، ليمر بعد ذلك على عقول وقلوب قواعد الجماعة بأن ما يجرى منذ عقود من هزائم متكررة وفشل على كافة الأصعدة دعويا وأخلاقيا وسياسيا، هو مجرد تمحيص وإبتلاء لأصحاب الدعوات وهذا موعود الله للمؤمنين، مستشهدين بقول الحق تبارك وتعالى {الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ…”.

بهذا التصور والتكييف كانت المحنة الأولى فى العام 1948، عندما اكتشفت الحكومة أمر النظام الخاص بعد ثمانى سنوات من تدشينه، مع العثور على السيارة الجيب التى كشفت مخططات الجماعة فى الاغتيال والحرق والتخريب، ولم تكد خطة الحكومة تبدأ فى محاكمة الجماعة حتى أطلق النظام الخاص العنف من عقاله، فأخذ فى طريقه زعيم الجماعة حسن البنا، الذى حاول باستماتة بعد فوات الآوان أن يعود أدراجه إلى الدعوة والتربية، مرددا كلماته الأخيرة لو استقبلت من أمري ما استدبرت لعدت بالإخوان إلى زمن المأثورات، فى إشارة واضحة إلى الفضاء المناسب للحركة وهو فضاء الدعوة وليس التدافع السياسى، وهو مالم تدركه قيادات الجماعة التى تنكرت لوصية البنا وواصلت الخلط بين الدعوة والسياسة ومحاولة إمتطاء حصانين فى وقت واحد، معلنة الحرب على حلفائها وأعنى هنا الملك الذى اختار مرشدها بعد مقتل البنا.

إذن لم يكن القبض على أعضاء الجماعة وحل الجمعية واغتيال المرشد سوى نتيجة طبيعية للمسار الذى اختارته الجماعة لنفسها، وهو حرب الجميع فى وقت واحد وسلوك كل تلك المسارات المتعارضة، وفى بيئة قومية ودولية ملتبسة وحافلة بالتعقيدات، لكن من قال أن الجماعة كانت تحسن عبر تاريخها قراءة الواقع أو المتغيرات، وهى التى انخرطت دوما فى تكتيكات لا تنتهى دون أن تربط بين تلك التكتيكات فى إطار خطة إستراتيجية محددة، حيث ظلت الجماعة عبر تاريخها تعانى عمى استراتيجى كامل، بهذا المنطق كان فشل 1948 الذي كان يستدعى دراسة ما جرى وبناء خطة ورؤية جديدة والاعتراف بالأخطاء، ومنها الجمع بين الدعوة والسياسة وإعلا ن حرب غير متكافئة مع الخصوم، لكن من قال ان الجماعة اعترفت يوما بأخطائها وهى الجماعة الربانية التى تنصر حتى بأخطائها، أليست هى جماعة الله المختارة والأمينة على وحيه ورسالته.

بعد ذلك بستة أعوام دخلت الجماعة فى المحنة الثانية، كما تسميها، وهى محنة سجون ناصر كما يُطلق عليها فى أدبيات الإخوان، وهى أيضا كانت من صنع الجماعة وقيادات النظام الخاص التى تصورت أن بإمكانها أن تحسم الصراع على السلطة مع ناصر بالقوة، فدخلت فى تيه السجون والمعتقلات الذى دام لعشر سنوات قبل أن تدخل من جديد فى المحنة الثالثة، وهى محنة تنظيم 1965 الذى دشن قيادة تكفيرية جديدة هى قيادة سيد قطب المأزوم إنسانيا وفكريا، وهو من بنى عقول القيادات القطبية التى وصلت لحكم مصر بعد التردد فى المشاركة فى ثورة يناير ثم إمتطائها للوصول لحكم مصر.

هذه القيادة القطبية المأزومة لا تستطيع سوى إنتاج أزمات ومحن، لذلك لم يكن غريبا أن تسعى لمذبحة أو مظلومية جديدة عبر الدفع لتكبير اعتصام رابعة بعد الوقوع تحت غواية الحشود، الذى ظلت تكبر فى عيونهم حتى حجبت عنهم مساحة الدولة الحقيقية، التي تحولت إلى ميدان فى القاهرة تصوروا أنه هو مصر التى تخصهم والتى سيدافعون عنها حتى الموت، وهو ما يشرحه جيدا خطاب رابعة التكفيرى الذى كان عنوانا ناظما لكل مجموعات الحركة إخوان وسلفيين وجهاديين، وقد وفر لهم الإخوان صعيدا واحدا على أمل إخافة الدولة شعبا ومؤسسات وإكراهها على قبول إستئناف الحكم الإخواني.

امتداد جديد لتقديرات ساذجة ومخاصمة للواقع والعقل، وهو مالم يتحرر منه الإخوان حتى الآن وما تحول للأسف رغم الكلفة الإنسانية الضخمة إلى بزنس وسبوبة وماكينة إبتزاز لا تتوقف، لكنها لن تغير شيئا فى المعادلة سوى تحول من استسلم لها إلى عضو داخل مذهب دينى جديد، يؤسس لجيتو وطائفة دينية منبوذة تخاصم المجتمع وتدمن كراهيته متصورة أنها تمارس شعائر دينها الصحيح.