المرأة في فكر “الجابري”

ينطلق الدكتور الجابري في رؤيته لقضية المرأة من موقف يتأسس على منهج ابن رشد في المساواة بين الرجل والمرأة، وإن كان له عليه بعض الملاحظات الجديرة بالبحث.. ففي كتابه “المثقفون في الحضارة العربية” يشير الجابري إلا أن طرح ابن رشد في تلك المسالة لم يكن صادرا عنه بل هو في الأصل فكرة أفلاطونية سايرها ابن رشد مع بيان موقف الشريعة منها، ومن المعروف أن ابن رشد كان دائم التدخل برأيه أثناء الشرح، ولم يكتف أبدا بمجاراة النص الأصلي فيما يذهب إليه؛ لذلك اعتبرت شروحه لأرسطو وغيره إضافة متميزة ارتقت إلى درجة الإبداع، وأوجدت بتفردها نصا موازيا فاق النص الأصلي في غير موضع.

لكن الجابري يعود ليعيد الاعتبار لابن رشد في مقدمة كتاب مختصر تاريخ السياسة عندما يشير لتدخل ابن رشد بالرأي في المسألة التي طرحها أفلاطون، وهي هل يوجب مبدأ المشاركة بين الرجل والمرأة قيامها بأعباء إضافية كالدفاع والحراسة والرئاسة، أم من الممكن أن تكتفي بوظيفة الإنجاب وتدبير أمور البيت؟

رأى الجابري أن ابن رشد في معرض تدخله قد كون رؤية مستقلة تماما عن أفلاطون بشأن المرأة، وتتلخص تلك الرؤية في الإقرار بوحدة الطبيعة بين النساء والرجال، كذلك في تساوي كلاهما في القدرة على ممارسة التفلسف والولاية وخوض المعارك! مع الإشارة إلى وجود اختلاف في أدائهما لبعض الأنشطة، ثم يأتي ابن رشد على ذكر بعض الشرائع التي تستبعد المرأة من تولي شئون الحكم، ثم تختتم الرؤية بالحديث عن وضعية النساء في المجتمع العربي وفي الأندلس بشكل خاص.. ومن خلال تلك الرؤية يعرج ابن رشد على بعض مشكلات مجتمعه كمشكلة الفقر، فيذكر في استعراضه للأسباب المؤدية إليه منع المرأة من العمل، بما يعد خصما من قوة العمل وإضافة إلى حجم الكتلة المعيلة في المجتمع مما يكون من شأنه مفاقمة مشكلة الفقر.

لا يلتفت ابن رشد كثيرا -على خلاف ما ذكر الجابري- إلى تبيان موقف الشريعة من بعض ما ذهب إليه أفلاطون في الجمهورية، خاصة فيما يتعلق بولاية المرأة، وإن كان قد ألمح إلى أن الإسلام قد استثنى النساء من الإمامة الكبرى، وهو في ذلك يفضل أن يكون طرحه متماسا في المقام الأول مع مشكلات مجتمعه، وما يعيشه الناس من تأزمات؛ فيعمد إلى القول الفلسفي الذي يمكنه من نقد الواقع، وكشف تناقضاته.. وهو في أحيان كثيرة لا يرى ضرورة استدعاء النصوص الدينية حيث أن إقحامها لا يتجاوز حدود التكلف؛ لكنه يعود فيرى ضرورة اللجوء إلى النص مع القدرة على تأويله في مواجهة من يشهرون سيف التفسير الأوحد في وجهه، وقد كان ابن رشد متمكنا من التوفيق بين الحكمة والشريعة، مؤكدا على أن أي تعارض بينهما هو محض توهم، ومن قبيل العجز عن التأويل.

وربما كان بعض ما تقدم هو ما أسس الجابري عليه رؤيته في قضية المرأة التي رأى أن الفقه الإسلامي يتسع لاحتوائها، وتقديم الحلول لأعقد مشكلاتها.. حتى أنه تهكم على القانون الذي أصدرته المغرب، وعرف بمدونة الأسرة قائلا: إن أي فقيه يعرف الفقه كان يمكن له بمفرده ومعه كتبه، وبمعزل عن أي صراع أو خلفيات أن يأتي بتلك النتائج دون أن تخرج عن المجال الديني ولا عن كلام الفقهاء. فالمشكل -كما يقول الجابري- لم يكن مشكلا اجتهاديا فقهيا؛ بل هو تسييس المشكل!!

رأى الجابري أن الإسلام قد أقر مبدأ المساوة بين الرجل والمرأة في الحقوق العامة والخاصة، كما أن أحكامه قد تناسبت وحال المجتمعات العربية زمن نزول القرآن الكريم، حيث كان النظام القبلي متحكما في كل شيء، فلم تكن علاقة الزواج ينظر إليها كارتباط بين رجل وامرأة بل مصاهرة بين قبيلتين تسعى كل منها للمحافظة على ثروتها بعدم توفر أسباب انتقالها للقبيلة الأخرى، لذلك كان العرب لا يورثون النساء والضعفاء في المطلق، وكان مبدأهم أن الميراث لمن حمل السيف، ونكأ الأعداء، وأعتلى صهوات الخيل.. وعندما أقر الإسلام مبدأ توريث المرأة جعلها مفضلة على الرجل في ست حالات بينما يفضلها الرجل في أربع حالات فقط، ويتساوى كلاهما في سبع حلالات.. وقد كانت قضية الميراث في المجتمع العربي من أكثر القضايا حساسية لما كان يسود المجتمع من أعراف تورث الغرباء في بعض الأحيان ، وتمنع ذوي الأرحام.. كما رأى الجابري أن الإسلام قد تعامل مع الطلاق وتعدد الزوجات، بما يشبه إقرار الواقع مع العمل على ترشيده، وضبطه وفق شروط تقترب من المنع أكثر من الإطلاق، لذا فقد اشترط في تعدد الزوجات العدل: ” فإن خفْتُم ألا تعدلوا فواحدة” وفي آية أخرى: ” ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصْتُم”.. كما حرص على يكون الطلاق في حالات محددة تستحيل فيها الحياة بين الأزواج، مع حفظ الحقوق المادية والمعنوية للمرأة والأبناْء.

لقد انطلق الدكتور الجابري في رؤيته لقضايا المرأة من أرضية عربية إسلامية؛ مؤكدا على احترام تعاليم الدين الحنيف للمرأة ، مع الوضع في الاعتبار أن النظرة المتدنية للمرأة التي سادت في كثير من المجتمعات الإسلامية لفترات طويلة إنما هي نتاج لتأثير الثقافات المحلية التي تسيطر عليها فكرة التفوق الذكوري، كما رأى أن النظر الممحص للتراث كفيل بكشف فعل الأهواء في كثير من مشكلاتنا الراهنة، لافتا إلى أن طريقة تعاطينا مع التراث قد حولنا إلى كائنات تراثية ، والأصل أننا كائنات لها تراث تتفاعل معه بما يتيح لها انتاج رؤى ناجعة لمشكلاتها المعاصرة، لأن الحداثة العربية يجب أن تنبع من التراث لا من الحداثة الغربية وفق شروط المواءمة المنهجية بعيدا عن التلفيق.