اللعب في الدستور أخرته وحشه

فعلها أنور السادات وقتل..
وفعلها حسني مبارك وخلع..
وفعلها مرسي وعزل..
وقبلهم جميعاً فعلها الملك فؤاد وثارت عليه جموع الشعب وقواه الحية فأسقطت دستوره المزيف وعاد دستور سنة 1923، ولم يستمر الملك بعدها طويلاً حتى مات، واستبشر الشعب خيراً في ابنه الملك فاروق الذي تلاعب بالدستور كثيراً حتى خلعه الجيش في يوليو سنة 1952، ويبقى أن أشهر وقائع اللعب في الدستور وأكثرها مأساوية كانت تعديلات أنور السادات.

بعد أقل من تسعة أشهر على توليه السلطة خلفاً لجمال عبد الناصر راح السادات يستجدي شعبية مفقودة، واتجه على الفور بعد تخلصه من الجناح المناوئ له في السلطة إلى إظهار نفسه في ثوب الرئيس الديمقراطي عبر الشروع في وضع الدستور الدائم لمصر الذي استفتى عليه الشعب في سبتمبر سنة 1971.

أهم البنود التي نص عليها الدستور الدائم بند تحديد المدد الرئاسية في مدتين لا ثالث لهما، واستقبل الناس الدستور الجديد بالأمل في أوضاع أكثر ديمقراطية.

وبعد أقل من تسع سنوات على وضع الدستور، وقبل أن تنتهي المدة الثانية لرئاسته أوحى السادات إلى مجلس شعبه بتعديل هذا البند بالذات، فبادرت عدة نائبات من حزب الرئيس تصدرتهم زوجة وزير الداخلية وقتها الفنانة فايدة كامل التي كانت نائبة بالبرلمان في ذلك الوقت، وتقدمن باقتراح تعديل المادة 77 من الدستور بحذف التاء المربوطة من المادة التي كانت تنص على أن (مدة الرئاسة ست سنوات ميلادية تبدأ من تاريخ إعلان نتيجة الاستفتاء، ويجوز إعادة انتخاب رئيس الجمهورية لمدة أخرى)، فلم يتغير فيها إلا حرف واحد، فبدلاً من كلمة لمدة، جعلها: لمدد، لتصبح المادة المعدلة:(ويجوز إعادة انتخاب رئيس الجمهورية لمدد أخرى)، وعلى الفور حصلت النائبات على توقيع أكثر من ثلث أعضاء المجلس الموقر، وتم إقرار التعديلات المقترحة في جلسة واحدة أيضاً، وخلال ثلاثة أسابيع تم استفتاء الشعب المصري على التعديل الذي يستفيد منه الرئيس.

وهو التعديل الذي كان تراجعاً كبيراً عما قرره الدستور في نسخته قبل التعديل، فأطلق مدد الرئاسة، وألغى قصرها على مدتين متتاليتين فقط، وأدخل مصر في جعبة الحاكم من جديد، حيث يمكنه بسهولة ويسر أن يمد حكمه إلى ما يشاء، بل وفتحت الباب أمام أفكار مثل التوريث.

ولحكمة بالغة فإن إقرار التعديل الذي كان مقصوداً به أن يتمكن الرئيس السادات من البقاء في الرئاسة لمدة ثالثة، لم تمهله الأقدار لتنفيذ ما خطط له، وجاءت حادثة المنصة لتحرمه من الاستفادة من التعديل الدستوري الذي تم من أجله، وليستفيد منها خلفه ليمكث على كرسي الرئاسة ثلاثين سنة إلا قليلا، وكان قبل أن تجبره ثورة الخامس والعشرين من يناير يتأهب للترشح لفترة رئاسية سادسة، بينما نجله الصغير يتطلع إلى وراثة المقعد الرئاسي من بعد أبيه.

قرابة الربع قرن ظل الرئيس مبارك متمسكاً بألا يقترب من الدستور بالتعديل أو التغيير، معللاً ذلك بأنه الدساتير يجب أن تكون مصانة، وهي الحجة التي يرددها الحكام ما دامت السلطة في أيديهم وما دامت مدد حكمهم مفتوحة بلا تقييد ولا تحديد، ويحدث العكس حين تحدد المدة أو تقيد السلطات، فيخرج علينا زبانية كل حاكم وأنصاره ومناصريه والمستفيدين من امتداد فترة حكمه ليقولوا لنا إن الدساتير ليست قرآنا، وهي قابلة للتعديل، ونحن وضعنا الدستور ونحن الذين نعدله، والشعب يقول كلمته في النهاية عبر الاستفتاء، ويتناسون أن الشعب كله بات يعرف حقيقة الاستفتاءات ويعرف نتائجها التي بالصدفة كانت كلها “نعم” لما يريده الحاكم الجالس على دكة الحكم.

بقي الموقف الثابت للرئيس السابق محمد حسني مبارك هو رفض الاقتراب من دستور 1971 بالتعديل حذفا أو إضافة، فضلاً عن فكرة تغيير الدستور بالكامل، معللا ذلك بأن الدساتير يجب أن تكون مصانة، وأن الثورات فقط هي التي يمكن لها أن تغير أو تعدل، تبني أو تهد دستورا، كأنه كان يقرأ من صحف الغيب فقد جاءت ثورة يناير 2011 لتطيح به وبدستور سنة 1971 الذي ولد ولادة قيصرية في أول عصر الرئيس الراحل أنور السادات، ومات موتة طبيعية مع نهاية عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، استمر لمدة أربعين سنة.

منذ توليه السلطة في أعقاب اغتيال سلفه الرئيس أنور السادات في أكتوبر 1981 حتى يوم 30 يناير 2005، وله في هذا اليوم تصريح مشهور حين سُئل عن احتمالات تغيير الدستور فقال: ( إن هذه دعوة باطلة الآن، ومن يتحدثون عن الانتخاب المباشر والاستفتاء، ومحاولة المفاضلة بينهما، عليهم أن يدركوا أن الاستفتاء مؤسس على ترشيح من ممثلي الشعب في البرلمان، وأكد على أنه لن يقبل بأي تعديل تحت أي مبرر).

ثم وبقدرة قادر خرج إلى النور تعديل المادة 76 من الدستور، ثم وبقدرة قادر مرة أخرى وقبل أن يمر عام ونصف على تعديل المادة 76، أصيب نظام الرئيس حسني مبارك بما أسمي ب “إسهال تعديلي”، حيث قرر الرئيس إجراء 34 تعديلاً جديداً على الدستور.

عندما أراد السادات تعديل الدستور تم جرجرة المواطنين إلى صناديق الاستفتاء، وعندما أراد مبارك تعديل الدستور جرى نفس الأمر، بنفس الوتيرة، وتعدل الدستور بكل سهولة ويسر، ولكن عندما يطرح الشعب رغبته في تعديلات دستورية ملحة وضرورية يخرج الكورال الحكومي في الإعلام ينشد نشيد: ثبات الدستور ورسوخه واستقراره.

وفي الحالين هلل المهللون للتعديلات واعتبروها انجازاً تاريخياً غير مسبوق، رغم كل ما اشتملت عليه من عوار ورجوع إلى الخلف لسنوات كثيرة.

في كل مرة طلب الحاكم فيها تعديل الدستور كانت شهوة الحكم وزيادة السطوة وتمديد فترة حكمه هي جوهر التعديل حتى لو أضاف إليه بعض البهارات أو المطالب الأخرى التي تجد لها صدى بين جموع المواطنين، عدله السادات لكي يسمح لنفسه بمدة رئاسية ثالثة، وقتل عند المنصة قبل أن تنتهي مدته الرئاسية الثانية، واستفاد من التعديل حسني مبارك وبقي في الحكم خمس مدد رئاسية ولولا ثورة يناير لكان رشح نفسه لمدة سادسة.

وفعلها مرسي وتلاعب بالدستور وحصن قراراته فعزل قبل أن يستفيد من تعديلاته، واليوم يسعى زبانية كل حاكم والمطبلون للحكم الحالي والمروجون لأسطورة أنه لا بديل غير الرئيس يسعون ليمددوا فترته الرئاسية الحالية لمدة ست سنوات، وهم يتعامون عن درس التاريخ البعيد والقريب، الدرس الذي خلاصتة أن “اللعب في الدستور آخرته وحشه”.