الفلسفة والفقه.. صدام لا يعرف الهدنة

كتب: ماهر الشيال
لقد رأى غالبية الفقهاء المسلمين في الفلسفة حيدة واضحة عن جادة الصواب، وسببا واضحا للهلاك، وغطاء لانحرافات الفكر، وفساد المعتقد.. ومن أحسن الظن منهم رأى فيها ترفا ولا جدوى وإعادة إنتاج لأسئلة يفترض الفقهاء أن الإجابة عنها قد قُطع بها منذ زمن، وما كان حكمهم ليأتي على هذا النحو إلا تضييقا لكل رحب يبعث على إعمال العقل؛ فليست فضاءات الفلسفة التي شاغلها التجدد الدائم من خلال معاودة البدء وإعادة تعريف المعرف- في نظرهم سوى خواء وضياع وتيه لا آخر له، من دخله مختارا فقد استبدل الذي هو أشقى بالذي خير!

كانت البداية في مطلع القرن الثالث الهجري مع تشجيع حركة الترجمة إلى العربية عن اليونانية والفارسية والسريانية، فكانت تلك الترجمات الأولى الأساس الذي انطلقت من خلاله المذاهب الكلامية التي انتجت جدلا ميتافيزيقا أثار الفزع في بيئة علمية يحكمها سلطان الفقه بأحكامه المستقرة، ورؤاه المادية، فكانت تلك الأفكار كالغيث الذي أصاب جدبا فإذا به يصخب فجأة بصور متعددة للحياة بعد جمود وموات، وربما من هنا بدأ الخلاف والتناحر الذي تثيره تلك التباينات الحادثة بين الأضداد.

وقد ورد عن الإمام الشافعي-رحمه الله- أنه قال: ” منهجي في أهل الكلام تقنيع رؤوسهم بالسياط، وتشريدهم في البلاد” كما ذهب إلى القول بضرورة أن “يطاف بهم في العشائر والقبائل، ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأقبل على الكلام”.

ونسب إلى الإمام أحمد بن حنبل القول بأن ” علم الكلام زندقة، وما ارتدى أحد بالكلام إلا كان في قلبه دغل على أهل الإسلام؛ لأنهم بنوا أمرهم على أصول فاسدة أوقعتهم في الضلال”.

بالطبع لم تكن الحدود واضحة آنذاك بين علم الكلام والفلسفة، وإن كان من المسلم به أن علم الكلام بدأ بشيء من النظر الفلسفي، إلا أن الفراق بينهما قد تم مبكرا، إذ انغمس أهل الكلام في مسائل تتعلق بالذات الإلهية، وما سكتت عنه النصوص، وقال الفقهاء بوجوب قبوله على ما هو دون تأويل.. فكانت الفرق، وكانت البدع والضلالات وصار الخوض في أسماء الله وصفاته من الأمور المنتشرة، فكان التكفير نتيجة طبيعية لهذه الفوضى، ولأن النزوع إلى التعميم هو الأيسر والأقرب إلى القبول لدى العامة، فقد صارت أحكام التكفير تصدر بحق كل مشتغل بالفلسفة بوصفها نقيض في منهجها لمنهج القرآن الكريم الذي “يبدأ من المحسوس، وينزع إلى الملاحظة” بينما تعتمد الفلسفة استنتاجات تنطلق من مقدمات جاهزة، وتغفل ” الطبيعة المحسوسة”.

يدافع الدكتور محمد عابد الجابري بقوة عن انعدام العلاقة بين الفلسفة اليونانية، ومذاهب أهل الكلام، وأشهرها المذهب الاعتزالي الذي اعتمد خطابا مبتدعا تأسس على المناظرة مع الخصوم كالمانوية وغيرها من الفرق غير الإسلامية، ويؤكد الجابري على وجهة نظره بأن المعتزلة قد رفضوا أهم مبدأين للفلسفة اليونانية وهما: قِدم العالم، والطبع والطبيعة.. كما أن “الكندي” فيلسوف العرب الأول لا يكاد يلمح له أثر لا في المضمون ولا المصطلح في فكر المعتزلة.. ويذهب الجابري إلى أن التقارب بين الكلام والفلسفة الذي أحدث ذلك الخلط لم يحدث إلا مع الإمام أبي حامد الغزالي في القرن الخامس الهجري.

هل يمكن تصور أن معادة الفلسفة من قبل بعض الفقهاء قد دفعت بهم إلى زراية العقل بل إلى اتهامه أنه سبب المعصية الأولى كما ذهب إلى ذلك الشهرستاني في مقدمة كتابه “الملل والنحل” إذ قال “بأن أول شبهة وانحراف وقعا هي حين عصى الشيطان أمر ربه؛ وسبب ذلك أنه استعمل العقل والحجة ولم يكتف بالتسليم.. لذلك فإن كل انحراف وشبهة سببه هو إعمال العقل”.

وربما يكشف لنا ذلك حقيقة تقديم النقل على العقل لدى هؤلاء برغم كل محاولات التوفيق، واللجوء للتأويل ” الذي لا يتجاوز حدود “التجوز” أو المجاز لدى العرب الذين خاطبهم القرآن” فلقد كان ذلك في أحيان كثيرة على سبيل الاضطرار أو بدافع ميل بعض الخلفاء إلى النظر الفلسفي، ومن ثم تقريب المشتغلين بالفلسفة، ولما كان القرب من السلطان، هو طابع كثير من الفقهاء، فقد لجأ هؤلاء إلى استخدام هذه العبارات التلفيقية، وكذلك فعل بعض المتفلسفة، لكن عصورا أخرى شهدت جفوة بين الأمراء والفلاسفة كان الفقهاء لا يتورعون فيها عن التكفير دون مواربة كالجرجاني فقيه الشافعية الذي قال صراحة بأن الفلسفة كفر، “وأدرج المنشغلين بها في عداد “أهل الأهواء” الخارجين على الإسلام، فهم من “الكفرة الذين لا تؤخذ منهم الجزية ويقتلون”.

أما ابن القيم فقد وصف كل منشغل بكلام “أرسطو” بأنه ” من الملاحدة” وكثر عنده في إغاثة اللهفان استخدام لفظتي الملاحدة والفلاسفة كمترادفتين، كما نعت الفيلسوف “الفارابي” بالسائر على طريقة معلمه “أرسطو” في ” الكفر بالله تعالى، وملائكته ورسله واليوم الآخر”.

ويقول ابن الجوزي في التلبيس “إنما تمكن إبليس من التلبيس على الفلاسفة من جهة أنهم انفردوا بآرائهم وعقولهم، وتكلموا بمقتضى ظنونهم من غير التفات للأنبياء”.
لم يستطع واقعنا العربي أن يتجاوز هذا الواقع العدائي، ولا أن يخطو خارجه خطوة واحدة، فلقد كان الصراع مؤهلا للتأجج على نحو غريب، وبصور شتى وبأقنعة متعددة كان التوجيه الدائم بالابتعاد عن الفلسفة والاستسلام الكامل للنصوص التي تراكمت عبر القرون، وبالتأكيد على أن أغلب المسائل قد تم حسمها في القرون الثلاثة الأولى ، وأن الاجتهاد قد أغلقت أبوابه، أو أنها مفتوحة بشروط هي أقرب إلى الإجحاف بحيث لا يستطيع الولوج إليه إلا الفقهاء أنفسهم، وهم – بطبيعة الحال- يكرسون للقبول بما هو قائم ، وضد التغيير الذي يهدد الثوابت، ويعبث بالأصول.. في حضرة كثير من الأحكام السابقة التجهيز، وسيوف التكفير الماثلة في الأذهان، كحارسة للتراث ومانعة للتعامل معه بأي وسيلة سوى التسليم.. وما زال العرض مستمرا.