الدعوة لاجتماعات المجلس الوطني الفلسطيني.. هروب من الاستحقاقات الوطنية

الدعوة لاجتماعات المجلس الوطني الفلسطيني هروب من الاستحقاقات الوطنية، وتهيئة الظروف لولوج مرحلة جديدة من المفاوضات شكلاً، والإعداد للانخراط في مشروع التسوية (التصفية) مضموناً

* الاستحقاقات الوطنية في المفاصل والمنعطفات التاريخية، وعندما تتعرض الأوطان لأخطار التبديد والضياع، والحقوق التاريخية للطمس والتغييب، ومصير الشعوب للتشتت والنيل من حقوقها في التحرر وتقرير المصير، تكون الاستحقاقات من طبيعة كفاحية صراعية.

* الاستحقاقات الوطنية المطلوبة تتجسد في سحب وثيقة الاعتراف واعتبارها باطلة ولاغية وكأنها لم تكن، وتمزيق اتفاق أوسلو، وفك كل ارتباط بمعسكر أعداء أمتنا وبالمطبعين الذين اندمجوا بالمشروع الصهيوني، وفي التوقف عن ملاحقة المقاومة والمقاومين والتعاون والتنسيق الأمني مع العدو.

* غياب هذه السمة وهذه الأهداف المنشودة تعني أن المطلوب ترتيب وتأهيل بنية ومؤسسات من أجل دور سياسي محدد، ألا وهو الانخراط في المشروع الأميركي-الصهيوني-الرجعي العربي، لإنهاء الصراع وفرض الحلول على الشعب الفلسطيني وصولاً لتصفية قضية فلسطين.

* القفز على موضوعة الوحدة الوطنية وطي صفحتها يدلل بوضوح أن (الانقسام) في الساحة الفلسطينية كان أمراً مدبراً ومطلوباً ومن غير المسموح معالجة وإنهاء مفاعيله وتداعياته.

طالما دعونا بصدق عميق ومسؤولية عالية بضرورة التوجه لحوار وطني شامل من أجل رص الصفوف وتحشيد الطاقات وامتلاك عوامل القوة لمواجهة التحديات الخطيرة المحدقة بقضية فلسطين، فإيماننا بالوحدة الوطنية الفلسطينية ينطوي على مصداقية وجدية عالية، وهي موضوعة وطنية نناضل من أجل تحقيقها ولا نجعل منها موضوعة للمناورات السياسية أو إطلاقها شعاراً لوظيفة محددة ما أن تتحقق حتى تنطوي صفحتها.

طالما أكدنا على أن الوحدة الوطنية قانون لا يجوز التلاعب به في مرحلة التحرر الوطني، فهي التي تضمن لشعبنا وحدته وتماسكه، وتمنح شعبنا المناعة والقوة، وهي السد المنيع والجدار الصلب الذي يحول دون تمكن أعداء شعبنا من صهاينة وقوى استعمارية من النفاذ منه بالتمدد أو الاختراق، أو إحداث الفرقة ليتحقق أهدافهم في السيطرة والتحكم، ونظرياتهم في هذا المجال معروفة منذ قديم الزمان، ولعل شعار (فرق تسد) طالما استخدموه طيلة سنوات النضال الطويلة ومنذ نحو قرن من الزمن.

طالما شددنا على أن الوحدة الوطنية المنشودة هي في إطار منظمة التحرير، وحرصنا على منظمة التحرير كإطار وطني جامع نابع من إيماننا بالوحدة الوطنية الفلسطينية، وحرصنا أن تكون منظمة التحرير ممثلاً شرعياً لشعبنا نابعاً من حرصنا على رفض أن ينصب أحد نفسه مدعياً تمثيل شعبنا ومتحكماً بمصيره، فيساوم ويتنازل ويعقد الاتفاقيات مع العدو الصهيوني ويقيم العلاقات معه متشدقاً أنه يفعل ذلك لمصلحة الشعب الفلسطيني، فيلحق الأذى والضرر بشعبنا ونضالنا الوطني، كما يلحق الضرر نفسه بالأمة كلها.

لسنوات طويلة عانت الساحة الفلسطينية من أزمات متلاحقة، كان أخطرها وأشدها وقعاً على قضية فلسطين، ومجمل قضايا النضال الوطني الفلسطيني، افتقاد الوحدة الوطنية الفلسطينية، وانهيار عقدها، مما عرض الساحة الفلسطينية إلى حالة من الانكشاف الخطير، الذي يفسح في المجال لتدخلات خارجية وأجنبية لا زالت تفعل فعلها، وزاد من خطورة هذه الحالة، الانقسام الحاصل بين طرفي السلطة، حركتي فتح وحماس، وهذا الانقسام لا ننظر إليه على خلفية إضعاف السلطة، أو اهتزاز مكوناتها ودورها، فالسلطة التي أنتجها اتفاق أوسلو هي بحد ذاتها خطر قائم، بل ننظر إليه على خلفية تكريس انفصال واقعي بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وما يؤسس ذلك إلى انفصال حقيقي، يحمل خطر ضرب وحدة الشعب والأرض، وتفكيك عرى التلاحم الوطني، ويزيد من معاناة أهلنا في قطاع غزة بما يعرضهم للانكشاف، ويعرض قطاع غزة لشتى الاحتمالات، وحياكة مؤامرات أخذت فصولها تطل برأسها، والإبقاء على كل الاحتمالات قائمة ومفتوحة.

لم تتوقف الساحة الفلسطينية بجدية وعمق ومسؤولية أمام معضلات الأزمة التي تمر بها، والتعرف على مكوناتها وأسبابها، وسبل الخروج منها، فأضحت موضوعة الوحدة الوطنية مجرد مقولة يجري تناولها والحديث عنها في المناسبات، ووسائل الإعلام، ولم تكن موضوعة فكرية-سياسية-بنيوية، ترتبط بمقتضيات مرحلة التحرر الوطني، وجدل الصراع مع الكيان الصهيوني، ومتطلبات توحيد الجهود ورص الصفوف لمواجهة التحديات الخطيرة، وتحصين الساحة الفلسطينية من أي تدخلات، وبما يمكن النضال الوطني الفلسطيني من الارتقاء والتطور والتصاعد.

وارتبطت بموضوعة الانقسام وهو بجوهره انقسام داخل السلطة وبين طرفيها، وجرى التأريخ له منذ أحداث قطاع غزة عام 2007، وما نتج عنه من إمساك حركة حماس بالقطاع.

ومنذ ذلك التاريخ كانت هناك عدة اجتماعات لمعالجة آثار هذا الانقسام والحد منه، ولم تتحقق أي نتائج، فلا اتفاق القاهرة عام 2005، حال دون الانقسام ولا كل المؤتمرات والاجتماعات والاتفاقيات المبرمة، في مكة، والدوحة، وصنعاء، والقاهرة، ومخيم الشاطئ، تمكنت من معالجة آثاره والحد منه.

لم يجري التوقف للتعرف على أسباب هذا الإخفاق، وجرى الاكتفاء بالإشارة تارة إلى تشدد السلطة في رام الله وشروطها، وتارة إلى تعنت حركة حماس وطلباتها، مع إغراق الساحة الفلسطينية بعناوين على شاكلة عقد مجلس وطني منتخب، وبالتعيين حيث يتعذر الانتخاب، مجلس ينعقد في الداخل ومطالب أن ينعقد في الخارج، وشروط ينبغي تحقيقها بعودة مؤسسات السلطة إلى مركزها في رام الله، ورواتب العاملين وقضايا الأجهزة الأمنية والمسؤولية عنها.

لقد أظهرت التجربة في الساحة الفلسطينية، أن الساحة أمام مسألتين، مسألة الانقسام.. ومسألة لعبة الانقسام، وأن ما ساد في الساحة الفلسطينية يندرج تحت عنوان لعبة الانقسام، وليس معالجته وإنهاء ذيوله ومفاعيله، فالطرفان المتنفذان في الساحة الفلسطينية لكل منهما غاياته وأهدافه، وهما يقبلان من حيث المبدأ، مواصلة الاجتماعات، وعقد الاتفاقيات، وحضور لجان التحضير كما حصل في بداية هذا العام في بيروت، والاستمرار بالتشدق بالحديث عن الوحدة وضرورتها، وأهمية التمسك بها، والاستعداد لتذليل العقبات من أجل تحقيقها، وعندها يحقق كل طرف أهدافه، فيبدو أمام الرأي العام الفلسطيني والعربي متمسكاً بالوحدة ويحمل المسؤولية للطرف الآخر، ويرد كل طرف على ما يستهدفه من توصيف، فسلطة رام الله تقدم نفسها أنها السلطة الشرعية والمعترف بها، وأن الجميع ملتف حولها، وليس بمقدوره تجاوزها، فيرسل رسالة لمن يشكك بالشرعية والأهلية، أنه لازال يتمتع بالشرعية والأهلية، وسلطة غزة (حركة حماس) تقدم نفسها أنها معنية بالمشروع الوطني الفلسطيني، وجزء من الحركة الوطنية الفلسطينية، وأن كل إدعاء أنها جزء من مشروع الإخوان المسلمين ما هو إلا إدعاء باطل.

ومن هنا بقيت حالة غياب وافتقاد الوحدة الوطنية الفلسطينية قائمة ومستمرة، وكذلك الانقسام، ولم يكن هذا الغياب والافتقاد بسبب العجز والإخفاق، أو بسبب تباعد البرامج والأهداف (وإن كان هذا سبباً وجيهاً)، ولكن أثبتت الأيام والوقائع والأحداث أن بقاء الساحة الفلسطينية على ما هي عليه من حالة تفتيت وانقسام أمراً مطلوباً، بل غير مسموح بمعالجته وإنهاء مفاعيله وتداعياته.

لفترة طويلة من الزمن ساد خطاب سياسي في الساحة الفلسطينية، وعند العديد من الأطراف والقوى الصديقة، يتحدث عن ضرورة أن تتوحد الساحة الفلسطينية، فالمخاطر كبيرة والتحديات هائلة ومتعاظمة، وأن مسؤولية كافة القوى والفصائل هي في تحقيق هذه الوحدة، وإنهاء كل عوامل الانقسام، وذهب البعض إلى حد القول أن هذا أمر ضروري حتى لو كان من أجل المفاوضات فلتذهب الساحة الفلسطينية موحدة، وتمتلك القوة ولا تسمح لأحد بالتفرد وبالتالي يصعب فرض الحلول والشروط التي لا تحقق الحد الأدنى من المطالب والأهداف.

لكن التجربة وطول أمد الخلافات والانقسامات، يوضح أن الانقسام هو أمر مطلوب، وأن على عاتق الفريق الفلسطيني المتنفذ المعترف به تقع مسؤولية المفاوضات والتوصل إلى الحلول، ومن يقبل يقبل، ومن يرفض سيجري التلويح له بالعقوبات وصولاً إلى حد توجيه له تهمة (الإرهاب)، وعندها يتحمل المسؤولية ويبحث عن مخارج له لينجو بجلده.

سارت الأمور على هذا المنوال حتى باتت ساحتنا الفلسطينية، بل وقضيتنا عموماً، أمام مشهد جديد جرى الإعداد، والتحضير الجيد له، حتى يأخذ مداه، ويدخل الساحة الفلسطينية في أتون خطر داهم، خطر (التصفية) فالمشاريع المعدة والمخططات المرسومة تجري في هذا السياق.

ويتضح في هذا الإطار جوهر المشروع بضم الضفة الغربية أمنياً للكيان الصهيوني ويتقاسم الكيان والسلطة والأردن مسؤولية التحكم بشعبنا في الضفة الغربية وإخضاع لمتطلبات هذا المشروع التصفوي.

وعلى المقلب الآخر يتعلق الأمر بقطاع غزة الذي فصلت له في السنوات السابقة ومنذ ما سمي (الربيع العربي) عدة أثواب لكن لم تكن الظروف قد نضجت بعد لاعتماد ثوب معين، لكن أخطر ما جرى تفصيله في هذه الآونة وبعد المشهد الخليجي، السعودي-الإماراتي-القطري، وتوجيه تهمة الإرهاب لحركة حماس، أطل علينا تفاهم جرى بين حركة حماس ومحمد دحلان.

ويتضمن التفاهم مجموعة من النقاط لا يفيد ذكرها، لأن المخفي هو أعظم مما هو مكتوب، والمخفي هنا هو انفصال الواقع يكون فيه قطاع غزة الكيان الفلسطيني المنشود.

الأخطار بتصفية قضية فلسطين تتنامى وتتصاعد، والهروب من الاستحقاقات الوطنية بعناوينها الكفاحية الصراعية تسهل الطريق أمام كل من يخطط لإنهاء الصراع وتصفية قضية فلسطين تحت عنوان التسوية.

واليوم أمام هذه الأخطار، وأمام ما يسمى صفقة القرن، بل كارثة القرن، التي أعد لها الرئيس الأميركي ترامب، نجدد النداء لكافة الفصائل الفلسطينية أن تعالوا إلى كلمة سواء لنحمي القضية من براثن التصفية، ونرسل رسالة واضحة لكل المتورطين في مخطط تصفية قضية فلسطين أن دماء شعبنا أغلى من نفطكم، وأن حقوق شعبنا أغلى من عروشكم، وأن عزيمة شعبنا لن تفتر ومقاومة شعبنا لن تتوقف، وأهداف شعبنا في التحرير والعودة ستظل راية خفاقة تنتقل من جيل إلى جيل حتى يتحقق النصر ويندحر الغزاة.

أمين السر المساعد لحركة فتح الانتفاضة