الحق فى أن نخطئ

نحن نخطئ لأننا بشر. نحن نخطئ لأننا لا نعرف إلا أقل القليل، ونخطئ لأننا نتخيل أننا نعرف أكثر مما نعرف بالفعل. إننا نخطئ عندما نتجاهل أهمية اللحظة، ونخطئ عندما لا نفكر إلا فى اللحظة الراهنة فقط.

إننا نخطئ عندما نتسرع، وبالمثل نخطئ عندما نصبر صبرا طويلا. إننا نخطئ نتيجة لجرأتنا، كما نخطئ نتيجة لجبننا ومخاوفنا. نخطئ عندما يملؤنا الطموح، ونخطئ عندما ينقصنا الطموح. نحن نخطئ لأسباب مختلفة ومتعددة. هناك بعض الهفوات التى تحرجنا للحظة أو لحظتين، كما أن هناك بعض الأخطاء الفادحة التى تصيبنا بالضيق والندم لسنوات وربما لعقود. لكن مهما كان سببها أو درجتها، فهناك قاسم واحد مشترك فى كل أخطائنا وهو: إنها فرص للتعلم، إنها سبل للمعرفة، إنها وسائل لتراكم الخبرة.

عندما نجيب إجابة خاطئة عن أحد أسئلة الحياة التى لا حصر لها، فإننا على أسوأ الفروض نقترب خطوة واحدة صوب الإجابة الصحيحة، أو على الأقل الإجابة المناسبة لنا. عندما نخذل أنفسنا بالتكاسل أو الإهمال، فإن الغضب التى نشعر به هو تذكير صحى لنا حتى نحافظ على يقظتنا.

عندما نخفق ثم نواجه عقبات إخفاقنا، تسنح لنا فرصة اكتشاف ما فشلنا فيه وسبب هذا الفشل. وباختصار، أخطاؤنا هى سبيل تطورنا. إن الكثيرين، وبخاصة فى الأوقات العصيبة، يبدون خائفين بشدة من ارتكاب الأخطاء، كما لو كان الخطأ عارا شخصيا لن يبرأ منه المرء أبدا، وأنه وصمة العار الباقية دوما فى تاريخ حياتهم. لكن هذا ليس صحيحا دوما، فالأخطاء نادرا ما تكون دائمة، فأغلبها يمكن إصلاحه بسهولة أو بصعوبة أقل من المتوقع. كما لا يوجد فى الأخطاء ما يعيب. كتب أناتول فرانس يقول: “إن الجهل والخطأ ضروريان للحياة مثل الخبز والماء”.

إن سمحنا لأنفسنا أن يسيطر علينا الخوف من ارتكاب الخطأ، فإننا لن نسير إلا فى الطرق المعتادة التى خطا عليها الكثيرون قبلنا. إن رفضنا أن نمنح أنفسنا بعض الحرية لنخطئ، فإننا بذلك سنتجنب انتهاز الفرص، وإذا لم ننتهز الفرص، فربما لن نكتشف ما نشغف به أو نعرف حقيقتنا.

إن خفنا من أن نتعثر فى طريقنا، فلن يمكننا إلا أن نتبع الآخرين وحسب. إذا كنت قد أخفقت أكثر من الآخرين. فهناك احتمال جيد أنك تحيا بشكل كامل أكثر من آخرين. فأولئك الذين يقتنصون فرصا أكثر، ويجرءون على أن يصبحوا أكثر مما هم عليه، ويقومون بأكثر مما يقوم به الآخرون، من الطبيعى أن يمروا بإخفاقات أكثر. قال بوكر تى واشنطن: “لقد تعلمت أن النجاح لا يقاس بالمنصب الذى وصل إليه المرء فى الحياة، ولكن يقاس بالعقبات التى تغلب عليها وهو يحاول النجاح”.

بصفة شخصية، أنا أفضل أن يكون لدى الشجاعة لأجرب شيئا ثم أفشل على ألا أجرب شيئا مطلقا. فأنا أفضل تمضية باقى أيامى أوسع من حدودى الإنسانية، وأحاول أن أحقق الاحتمال الذى يبدو مستحيلا، عن أن أحيا حياة مريحة، وآمنة، ومتوسطة. هذا هو جوهر النجاح الحقيقى فى الحياة. كما ذكر هيرودوت بحكمة بالغة: “لأن نتحلى بجرأة ونخاطر بمواجهة نصف الشرور التى نتوقعها، لأفضل لنا من أن نظل فى خمول وجبن خوفا مما قد يحدث لنا”.

معظم الناس يقضون أفضل سنوات حياتهم فى نطاق ما يعرفونه. يفتقدون شجاعة المغامرة للخارج نحو المناطق المجهولة وخائفون من ترك الحشد. يريدون أن يتوافقوا ويخشون أن يتميزوا. يرتدون ما يرتديه الجميع، يفكرون كما يفكر الجميع، ويتصرفون كما يفعل الجميع، حتى إذا كان القيام بذلك لا يبدو صحيحا بالنسبة لهم. يعارضون حس قلوبهم وتجربة أشياء جديدة، رافضين أن يتركوا شاطئ الأمان. وهكذا يقومون بما يقوم به كل شخص سواهم. وبفعلهم ذلك تبدأ أرواحهم التى كانت ذات مرة مضيئة فى الإظلام والإعتام.

إن التمسك بشواطئ الأمان فى حياتك ليس أكثر من اختيارك البقاء مسجونا فى مخاوفك. ربما هو توهم أنك حر حين تستمر فى الحياة داخل الصندوق الذى تحولت إليه حياتك. حين تترك الصندوق نحو آفاق جديدة وتتوقف عن السير وراء الزحام، بالطبع ستطفو مخاوفك فأنت بشر، لكن الشجاعة تتطلب أن تشعر بهذه المخاوف ثم تكمل سيرك على كل حال. إن الشجاعة ليست غياب الخوف وإنما الرغبة فى تجاوز خوفك سعيا وراء هدف مهم لك. وحين تعيش فى الملجأ الآمن وتتمسك بما تعرفه، تصبح ضمن الأحياء الأموات. أما حين تغامر فى المجهول وتستكشف أماكن غريبة فى حياتك، فإنك تعود للحياة ويبدأ قلبك فى الخفقان مرة أخرى.

كان كريستوفر كولومبس أول إنسان يرى العالم الجديد؛ لأنه كان مستعدا لترك الأماكن التى عرفها والذهاب إلى الأماكن التى أخافته، الأراضي الجديدة. كل الاكتشافات والاختراعات العظيمة هى نتيجة رجال تجرءوا ليجربوا المجهول. أنت فى حاجة للسير نحو مخاوفك، وأن تكون مستعدا للذهاب إلى أماكن جديدة لكى تكبر كشخص وتكتشف الكنوز التى تنتظرك كإنسان. ومعنى أن تعيش فى العالم الذى دائما ما عشت فيه هو أن تبقى صغيرا وجبانا.

حتى إن عشنا حياتنا بحذر بقدر الإمكان، فإننا سنخطئ على كل حال، فالجميع يخطئون. إن الأخطاء حتمية، فهى جزء من الحياة، لذا يجدر بنا أن نتقبلها بصدر رحب، ونسامح أنفسنا، ونستمر فى حياتنا. قال الرسول: “كل بنى آدم خطاء وخير الخطائين التوابون”. إذا كانت الحياة هى ما تصنعه أيادينا، وإن أردنا لحياتنا أن تكون مشرقة وحقيقية، فعلينا تقبل حقيقة أننا سنخطئ بين الحين والآخر على طول الطريق. لا يمكننا أن نمنع الأخطاء، لذا بإمكاننا كذلك أن نتقبلها، ونعترف بها حال حدوثها، ونسامح أنفسنا لارتكابها، والأهم، أن نتعلم منها، فلا يجب أن يضيع أى خطأ سدى أبدا.