الانتخابات الرئاسية.. احتمالات ومناورات

لو أراد الرئيس عبد الفتاح السيسي أن يقطع الشك باليقين، ويثبت أنه فعلا “لن يمكث دقيقة واحدة فى الحكم بدون رضا المصريين” كما قال هو بنفسه أكثر من مرة، فإن عليه أن يقرن أقواله بالأفعال، وأن يعلن ثلاثة إجراءات فورية، أولها أن يوقف هوجة تعديل الدستور لتمديد فترة رئاسته سواء الأولى أو الثانية لو قدر له الفوز في الانتخابات المفترض إجراؤها منتصف العام المقبل، وثانيها تهيئة المناخ السياسي والقانوني أمام كافة المرشحين وعلى رأسهم أحمد شفيق أو سامي عنان أو خالد على أو أيمن نور أو حتى عمرو موسى ليخوضوا الانتخابات إذا رغبوا فعلا فى الترشح، وثالثها أن ينهى كل توجهات السلطة المعادية للحريات العامة، مع إطلاق حق التظاهر طبقا لروح ونصوص الدستور الذي أقسم هو شخصيا على احترامه.

بدون هذه الإجراءات الثلاثة، لن يمكن أخذ تصريحات الرئيس حول “تركه للحكم ” بشكل جدي، فهي لن تكون، فى أفضل الأحوال، سوى مناورة انتخابية للحصول على تعاطف الناخبين، أوإضفاء روح تنافسية شكلية حولها، قد تنتهي باستدعاء مرشح منافس لا تتوافر له أي فرصة في الفوز، تماما مثلما فعل حمدين صباحي في الانتخابات السابقة، حتى لا تتحول الانتخابات القادمة إلى استفتاء تقاطعه الجماهير، أو على الأقل تشارك فيه بنسبة ضئيلة، تضع السيسي في حرج بالغ أمام الرأي العام المحلي والعالمي!

أنا شخصيا أكاد أجزم أن الرئيس السيسي سوف يخسر الانتخابات المقبلة إذا أجريت بنزاهة وبدون تزوير فى مناخ ديمقراطي حقيقي، فبعد ثلاث سنوات من حكمه خسرنا جزيرتين استراتيجيتين، وتلاحقنا أزمة مائية طاحنة، كلاهما يهدد بشكل خطير أمننا القومي، مع استمرار الأزمات المعيشية والاقتصادية بدون أى أمل قريب فى انتهائها، والتي يصاحبها تأميم السياسة، وسيطرة العقلية الأمنية على قراراتنا، وهيمنة السلطة التنفيذية على كل سلطات ومؤسسات الدولة الأخرى.

فى تقديرى الخاص – وأرجو أن أكون مخطئا – أن المخاوف من سقوط الرئيس في الانتخابات المقبلة، هي التي دفعت بعض مؤيدي السيسي إلى اقتراح تعديل الدستور وتمديد فترته الرئاسية سنتين إضافيتين، يلمح فريق منهم إلى ضرورة ضمهما إلى فترته الأولى، وأن نؤجل انتخابات العام القادم عامين آخرين، وقد يطالبون أيضا إذا مرت الأمور بسلام – أي بدون حركات احتجاجية جماهيرية واسعة – بإلغاء المادة التي تحظر انتخاب الرئيس لمدتين فقط، ليصبح السيسي رئيسا أبديا طوال حياته، بالقانون والدستور!

السقوط المحتمل للرئيس السيسي فى الانتخابات، ربما يكون في نظر مؤيديه سلاحا فى يد معارضيه، يستخدمونه للضغط على الرئيس المحتمل الجديد، لفتح ملفات شائكة منها ما يتعلق بأحداث رابعة، ومنها مايتعلق بتيران وصنافير، أو بالمخالفات الكبيرة للدستور، أو بالنهج الاقتصادي الذي يفرضه السيسي على المصريين بدون أي مناقشة مجتمعية في جدواه وبدائله، والذي أسفر عن نتائج مؤلمة بالمخالفة لكل وعود الرئيس الانتخابية التي انتخبه المصريون على أساسها.

لكل هذه الأسباب وغيرها أيضا، يرى هؤلاء المؤيدون أن تعديل الدستور بهذا الشكل الفج وغير الديمقراطي ، هو “معركتهم الصفرية المقدسة” التي لا يمكن أن يخسروها، حتى لا يخسروا مناصبهم التى توفر لهم الحماية قبل السلطة وبريقها ومباهجها، ولكى يحموا رئيسهم من أي أخطار سياسية قد تهدده إذا سقط فى الانتخابات!

أمام الرئيس السيسى طريقان لا ثالث لهما، إما أن يتبنى نهج هؤلاء المؤيدين، لتزداد أزمات البلاد الاقتصادية والسياسية تفاقما لتنذر بما لايحمد عقباه، أو أن يلتزم بإجراء انتخابات رئاسية حرة نزيهة كما ينبغى عليه أن يفعل.

صمت الرئاسة – حتى الآن – عن توضيح موقفها من هوجة تعديل الدستور، يثير التكهنات حول رضاء الرئاسة عنها فى نظر البعض، فى حين يرى آخرون أن الرئاسة نفسها هي التي تقف وراء هذه الحملة، وهو وضع غير مريح، ينبغى أن يضع الرئيس السيسى بنفسه حدا له فى أسرع وقت، ليس فقط لكى يؤكد مصداقية تصريحاته المتكررة حول “تركه الحكم إذا أراد المصريون ذلك، ولكن أيضا حتى لا يتحول إلى ديكتاتور- بالدستورالتفصيل على مقاسه – لن يتحمل المصريون تبعات بقائه فى السلطة طويلا!