اكتب للحاكم.. ولا تكتب عليه!

في البلاد التي تصدق مصطفي بكري وتصفق لإنجازات السيسي ولا تقبل بالحقائق إلا إذا كانت معكوسة، إياك أن تخطئ فتطالب باحترام الدستور أو تطبيق القانون أو تنتظر أن يعاملونك كإنسان بإطلاعك علي الأمور واستشارتك وأخذ رفضك علي محمل الجدية.. إياك أن تخطئ مرة وتفعل ذلك فتكون النهاية أن تخسر عقلك للأبد.
أنظر حولك أولاً قبل أن يقودك الخطأ والحماقة إلي التهلكة، فهذه بلاد تمجد من يخدعها وتشوه من يناضل لأجلها، فاصمت أمام ما لا يروقك ودع القافلة متعثرة كما هي، ولا داعي لأن تفجر بحماقتك غضب الآخرين وإلا أسمعوك عبارة يحفظونها ويرددونها باستمرار وكأنها مُنزلة: “مش عاجباك البلد.. سيبها وغور يا أخي”.
أحيان كثيرة أطرح علي نفسي الأسئلة العبثية ذاتها: لماذا أكتب؟ ولمن؟ وهل ستُصلح كتاباتي الأوضاع المقلوبة؟ وماذا لو توقفت عن الكتابة.. هل ستسوء الأحوال أكثر؟ هل ستضيع البلد؟ ومن سيلتفت أو يشعر بغيابي؟ فلماذا أصر إذاً علي الاستمرارية ومواصلة الكتابة بدأب.. هل هو التعود أم لقمة العيش؟
الكتابة في الدولة التي فشل رئيسها لأن يحولها إلي “أد الدنيا” لها ألف طريقة وإتجاه.. فإن استطعت بعينيك المجردتين رؤية أدق التفاصيل كعملية انشطار الذرة والدورة الدموية للبكتريا وإنجازات “طبيب الفلاسفة”، فسيلقبونك حينها بالكاتب المغوار وصاحب القلم الرفيع والباحث عن مصلحة الوطن، ولضمنت كرسياً مستديما في مؤتمرات الرئيس وسفرياته.. ويا حبذا لو أضفت شيئاً من نفاقك الخاص، حتي يتم تمييزك بين غيرك حال اختلطت أوراق النفاق ببعضها.
في ضوء معرفتي بالإتجاه الآخر في الكتابة، كأن تعارض سياسات السيسي المنحازة للسيسي نفسه، والرامية إلي إفقارنا وإخراسنا وتركعينا، والهادفة إلي إرضاء الغرب علي حسابنا، فستجني ثمار هذه المعارضة بأن تقرأ بنفسك سيلاً من الشتائم النابية ضمن التعليقات علي كتاباتك، والتي ستطول أسرتك وأقاربك وتمتد إلي سابع جد، إلي جانب اتهامات أخري متنوعة مثل الخيانة والعمالة وعبادة الدولار.. وربما تكون أحد ضعاف القلوب ممن يتصببون عرقاً كلما رن جرس المنزل في وقت متأخر من الليل، فتهرول مثلهم لتسأل الطارق من خلف الباب مرتعداً: “مين؟… حافظ كلمة السر؟”.
في حب السيسي، لن تصادفك أي عثرات تعطل مسيرة نفاقك، وستجد ألف مكان يفتح لك أبوابه برحابة.. فهيا اكتب ما شئت طالما التزمت أن تكون من المؤيدين المادحين المسبحين.. اكتب عن الخطأ إن أردت ولكن اجعل الرئيس منزهاً عنه.. اكتب عن الفساد وتوغله في الدولة ولكن اصنع من الرئيس بطلاً يحاربه.. اكتب عن الوطن وتماسكه ولكن حذر من ضياعه وانقسامه إذا ما استيقظنا في يوم ما فوجدنا حاكماً آخر غير فخامة الرئيس.
في نقد السيسي، لن تشكو فحسب من عدم وجود نافذة لنشر “كتاباتك الحاقدة”، ولكنك أيضاً ستصارع لأجل البقاء سالماً غير مخطوف أو مسجون.. لذا تحسب جيداً لخطواتك وأحاديثك، فحتي أنفاسك صارت تحت المراقبة.. وفي وقت يعلمونه ولا تعلمه أنت ستجد اسمك ضمن بلاغ أمام النائب العام متهماً بتكدير سلم الوطن والإساءة إلي ذات الرئيس، وستنظر إليك حينها ألف عين باحتقار، وسيبصق ألف فم وينطق شامتاً: “ابقي خلي المعارضة تنفعك يا فالح”.
لو عبرت لأحدهم عن رغبتك في أن تكون مستقلاً غير تابع لسلطة أو جهة أو شخص ما، وأن ضميرك فقط هو من سيقودك عند الكتابة، فلن تسلم من سخريته وقهقهاته ونظراته إليك باعتبارك سيد الحماقة أجمعين.. فرسالتك السامية ستسقط حتماً تحت وطأة العوز والحاجة، وتحت تحذيرات رئيس التحرير الذي سيمنعك من معاودة الكتابة في السياسة قائلاً: “ماله الفن يا بني.. اكتبلنا حاجة عن علاقة عمرو دياب ببرج الحوت.. ولا اكتب عن رحلة زينة في المحاكم لإثبات نسب التوأم لأحمد عز”!.. ولو قدر لك أيها الكاتب وأفلت من كل هذا العبث، ستصطدم بحقيقة أخري وهي أننا بتنا نعيش ونكتب في “زمن الحجب”.
لا أدعو أي كاتب لأن يصبح أداة في يد غيره، أو يؤجر قلمه لمن يدفع، بل أشكو إليك الهوان وقلة الحيلة.. فإن فعلتها مرة خسرت كل شئ بعدها، ذاتك واحترامك وكبرياءك.. خسرت قارئ وثق فيك وظن أنك دليله ومرشده إلي الحقيقة.. خسرت ضميرك وهو مرآتك للحق والباطل.. وربما ستعرف حينها صدق المقولة الموحية: “ماذا سيفيد الإنسان لو كتب في مدح السيسي.. ثم كانت النتيجة أن خسر نفسه وقلمه”!