استراتيجية حمساوية جديدة.. طي الخلافات مع إيران ومرونة في ملف المصالحة

مع اقتراب طي صفحة تنظيم داعش الإرهابي في سوريا والعراق ولبنان، تتبدل المعادلات والموازين السياسية، ويعيد كل طرف وقوة إقليمية ترتيب أوراقه بناء على المعطيات الجديدة، فالسعودية وأمريكا وقطر وفرنسا وبريطانيا كانت خير مثال على التغير السياسي الاستراتيجي تجاه الأزمة السورية، وبالتالي تجاه المحور الروسي الإيراني، لتلحق بها حركة حماس الفلسطينية مؤخرًا، وهو ما ظهر في عدة مؤشرات.

رؤية جديدة يبرزها «السنوار»

يبدو أن القيادة الجديدة لحركة حماس تحمل بين طياتها السياسية رؤية جديدة تختلف كليًّا عن سابقتها، تمتاز بالمزيد من المرونة والتعقل في التعامل مع الملفات الإقليمية، وهو ما ظهر في خطاب طويل ألقاه رئيس المكتب السياسي للحركة في قطاع غزة، يحيى السنوار، ليكون الأول منذ انتخابه في منصبه.

المصالحة الوطنية

أكد السنوار، خلال الخطاب، أن المشروع الوطني الفلسطيني في خطر محدق، جراء استمرار الانقسام السياسي الحاصل، مبديًا استعداد الحركة لحل اللجنة الإدارية التي شكلت أزمة بين حركتي فتح وحماس، حال التزام حكومة الوفاق الوطني بأداء واجباتها قطاع غزة، قائلًا: إنها ليست مقدسة، شريطة أن تزول المبررات التي أدت لتشكيلها، مؤكدًا: سنطرق كل الأبواب باستثناء باب الاحتلال لحل مشكلات قطاع غزة، وحكمنا أتفه من أن يموت طفل في إحدى المستشفيات بسبب الحصار أو إجراءات عباس العقابية ضد غزة.

ملف الأسرى

على جانب آخر تطرق السنوار خلال لقائه بالصحفيين الذي استمر لقرابة ساعتين، وحثهم خلاله على تجاوز الشكل التقليدي بطرح الأسئلة فقط، وأن يتحول إلى لقاء مكاشفة ومصارحة، إلى ملف الأسرى، حيث أكد رئيس المكتب السياسي للحركة في غزة أن حركته تمتلك أوراق قوة في ملف الأسرى، مما يجعلها تقف على أرض صلبة، بحيث تقدم لأبناء شعبها صفقة مشرفة، مضيفًا: منذ البداية وضعنا شرطًا بأننا لن نبدأ مفاوضات قبل إطلاق سراح 54 من محرري صفقة وفاء الأحرار ولن ندفع الثمن مرتين.

علاقة حماس بدحلان

حرص السنوار، خلال خطابه، على نفي ما تردد من شائعات حول قطع حركته الاتصالات مع القيادي المفصول من فتح محمد دحلان، حيث قال: لم نقطع اتصالاتنا مع تيار دحلان، فهم جزء من شعبنا مهما اختلفنا معهم، ونرحب بكل من يتقدم لخدمة شعبنا، وأي لقاء يعقد سواء كان مع أبو مازن أو دحلان يلزمه قرار مسبق من قيادة الحركة، وتابع أن حل القضية الوطنية والأزمات الداخلية يتم من خلال ترتيب البيت الوطني بتمثيل الكل الفلسطيني بتوجهاته وأطيافه كافة بمجلس وطني موحد يمثل الجميع، وفق تفاهمات ومخرجات لقاءات بيروت، نافيًا أن حركته تسعى لأن تكون بديلًا لمنظمة التحرير، مؤكدًا أنهم يريدونها إطارًا جامعًا تمثل الكل الفلسطيني ويتمثل فيها الكل الفلسطيني ولا نريد إقصاءً لأحد.

علاقات حماس الخارجية

العلاقات الخارجية لحماس أخذت حيزًا كبيرًا من خطاب السنوار، حيث تطرق إلى العلاقات مع مصر قائلًا، إن حركته نجحت في تحقيق اختراقات جيدة مع المصريين، مضيفًا: نجحنا في تفكيك حالة العداء والشك السابقة، والأمور مع مصر تتطور بعد هذا الاختراق الاستراتيجي، فيما وصف السنوار علاقته بإيران بـ«الممتازة»، حيث أكد أن الجمهورية الإيرانية طالما كانت الداعم الأكبر لكتائب القسام بالمال والسلاح، مضيفًا: نأمل أن تتفكك الأزمة الداخلية في سوريا، وأن يفتح ذلك الأفق في ترميم علاقاتنا، مع الأخذ بعين الاعتبار التوقيتات المناسبة حتى لا نقع في أزمة المحاور.

في الإطار ذاته، أشاد السنوار بعلاقة حركته مع أنقرة والدوحة، ودورهما في إسناد ودعم قطاع غزة، وتوفير شبكة أمان في إسناد القضية الفلسطينية وتحديدًا قطاع غزة، مضيفًا: المشروعات القطرية والتركية منعت سقوط البنى التحتية في غزة، ونلعب دورًا رائدًا في فكفكة الأزمات في المنطقة.

عباس في تركيا.. وحماس تلوّح بالمصالحة

https://www.youtube.com/watch?v=a5ZARwpZ_bI

يأتي حديث القيادة الجديدة لحماس عن المصالحة الوطنية وضرورة إيجاد حلول وإبداء الحركة استعدادها للتنازل عن اللجنة الإدارية، ليتناسق مع جهود يقوم بها الرئيس الفلسطيني محمود عباس في تركيا، حيث يبحث أبو مازن مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إنهاء الانقسام بين فتح وحماس، ورغم أن زيارة الرئيس الفلسطيني لم تأت بأي جديد سوى بتأشيرات إلكترونية للفلسطينيين للدخول إلى تركيا، لكنها لم تتخذ أي خطوة جديدة في ملف المصالحة الفلسطينية أو التعامل مع الاحتلال، إلَّا أنه تخللها مرونة أيضًا من جانب عباس في التعامل مع غزة وحماس.

وشدد الرئيس الفلسطيني خلال مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره التركي، أمس الاثنين، على أن «لا دولة في غزة، ولا دولة فلسطينية دون غزة»، مؤكدًا على أن إنهاء الانقسام بين فتح وحماس يتطلب إلغاء اللجنة الإدارية المشكّلة من قِبَل حماس، وتمكين حكومة الوفاق الوطني من ممارسة مهامها في قطاع غزة، وتنظيم الانتخابات العامة بأسرع وقت ممكن، فيما أشار الرئيس التركي إلى أنه اعتبارًا من شهر أكتوبر المقبل سيتاح للفلسطينيين الحصول على تأشيرة إلكترونية للدخول إلى تركيا، وأفاد أردوغان بأن إسرائيل تواصل عمليات الاستيطان في الأراضي الفلسطينية دون مبالاة، مشددًا على أنه يتعين على تل أبيب التوقف عن الخطوات التي تضر بمسار السلام ووضع حد للمحاولات الرامية لتقويض حل الدولتين.

انعطافة حمساوية تجاه إيران

يبدو أن حماس اختارت التوجه مؤخرًا إلى إيران، على اعتبار أنها المحور الفائز حاليًا والمهيمن على الملفات الإقليمية كافة، خاصة أن العديد من الدول التي كانت تحسب على المعسكر المعادي لطهران باتت تتنافس حاليًا لتخفيف التوترات بينهما، وعلى رأسها السعودية وقطر وتركيا، حيث جاء حديث السنوار عن إيران ليؤكد المؤشرات الأخيرة التي تحدثت عن حلحلة الأزمة بين الطرفين، وإتخاذ القيادة الحمساوية الجديدة قرارًا بإعادة العلاقات إلى ما كانت عليه قبل 2011، وهو ما ظهر في تصريحات السنوار عن أهمية الدور الإيراني في دعم المقاومة بشكل صريح لا مواربة فيه، إضافة إلى ترؤس بعض القادة في الحركة، كانوا من أبرز المعارضين للعلاقة مع طهران، وفدًا للمشاركة في تنصيب الرئيس الإيراني حسن روحاني مؤخرًا، وخلال الزيارة التقى الوفد برئاسة عضو المكتب السياسي، عزت الرشق، عددًا من المسؤولين والقادة الإيرانيين، بدءًا من رئيس مجلس الشورى، علي لاريجاني، وصولًا إلى مستشار المرشد الأعلى، علي أكبر ولايتي.