إلى كل سيساوي وكل سيساوية: “ماما حلوة”!

لو كنت مصرياً أصيلاً، شربت من نيل هذا الوطن دون أن تصاب بالملاريا، أو عولجت في مستشفياته وخرجت سليماً بأعضائك، أو تعلمت في مدارسه إنه “ذاكر تنجح غش تجيب مجموع”، لعرفت وحدك دون الحاجة إلي استشارة صديق أن الرئيس عبدالفتاح السيسي لن يكتسح فحسب الانتخابات المقبلة بنزاهة وإقبال شعبي يفوق توقعات كل سكان الأرض والفضاء، بل سيتمكن بعدها بساعات من وضع نهاية لما يسمي بحروب الجيل الرابع والخامس والسادس، ثم تفكيك خلية “المؤامرة الكونية علي مصر”، وتشتيت أعضاءها بين الاعتقال والجنون والانتحار، وهو ما سيعد بالقطع انتصاراً رئاسياً يرسخ لقدرة المصري علي تغيير معادلات العالم ومخططاته، فقط إن أطاع وانصاع لقيادته الفذة الرشيدة…. “تن تراررررم تن تن”.
ما تري أنه سخرية من جانبي هي قناعات متجذرة في عقول قطاعات مصرية كثيرة لديها حالة إنكار للواقع البائس، فلا تصدق إلا ما تصدره السلطة من أحاديث عن المؤامرات، ولا تسمع لغير الأبواق التي تمجد في الرئيس وبصيرته وإنجازاته، وتكون النتيجة لعمليات “التنويم” هذه أن يبدو المواطن في ظاهره إنسان كامل الأهلية، وفي باطنه شئ آخر سطحي وساذج وصفيق أحياناَ، اسمه “ألتراس سيساوي”.
لم يعد يعنيني نقد الرئيس السيسي وجنوحه الواضح والصريح نحو سياسات تعمية الحقائق، وتركيع القانون، وتقزيم من لا يتحدث بنفس لغته، بقدر ما بات يعنيني الآن أن أفهم بعمق كيف يفكر السيساوية، وعلى أي شئ يستندون في تأييد من قال إننا “نور عينيه”.

لتصل إلي الحكمة الخفية عند هؤلاء عليك أن تكون سيساوياً من أعلي رأسك لأخمص قدميك، فالبس كما يلبسون وتناول نفس طعامهم وشرابهم، وتابع بدأب كل ما يصدر من حماقات عن أحمد موسي ومصطفي بكري وباقي أعضاء فرقة “عاش الملك.. مات الملك”.. ولا تنسي أن تلعن في سرك وجهرك ثورة يناير التي جاءت لنا بالخراب، واسجد لله عشرات المرات شكراً وحمداً لأننا ما زلنا علي قيد الحياة و”مبقناش زي سوريا وليبيا والعراق”.

لا أنكر مدي ما تكبدته من مشقة لأفهم علي أي شئ يصفق السيساوية، وكتبت وقتها أنا وغيري بغضب وصل إلي حد الصراخ للتحذير من المنزلق الخطر الذي نهرول فيه، وتجرعت مع الباقين المرارة والمذلة من سلطة تصر علي تصدير الفشل باعتباره إنجازاً يستحق الانحناء والتقدير، حتي أدركت أخيراً أنه لا محالة لبلوغ الحكمة عند السيساوية إلا إذا طهرت نفسي أولاً من العمالة والخيانة، ثم ارتديت بإرادتي نظارة “كمل جميلك”، لأري مثلهم ما حققه الرئيس من انتصارات، ومصر التي تحولت في عهده من قبح العشوائيات إلي نضارة وجمال فيينا.. “مش بنت عم الصومال”.
هناك عبارة شائعة تقول: “من أراد الله به شراً.. سلط عليه رأسه”، وهي مقولة تنطبق بدقة علي كل من يتفاخر بالغباء ظناً منه أنها العبقرية.. فكيف لك أن تقنع إنساناً بما بلغناه من تدهور اقتصادي وهو يلامسه بالفعل، وكيف تقنعه أنه لا استقلال ولا سيادة ولا إصلاح لدولة أدمنت الاستدانة ولم تشرع في بناء مصنع واحد؟.. فهل يتحقق الإصلاح من دون تنمية صناعية وزراعية؟ وهل تتحقق الديمقراطية في ظل الصوت الواحد والرأي الواحد والقرار الواحد؟.. والأهم، كيف لدول بلغت ما يشبه حد الكمال الاقتصادي والسياسي والإنساني كأمريكا وأوروبا، أن تتآمر علي دول خائبة وبليدة ومديونة مثل “أم الدنيا”؟!
قديماً قالوا إن الإنسان عدو ما يجهل، وفي حالة السيساوي المتمسك بـ”سيساويته” فهو عدو لدود لما يعرف ويلامس ويعايش، وبالتالي فلا رجاء فيه طالما لم يدرك مرضه وحاجته إلي العلاج الفوري، وأولي جلسات العلاج تبدأ بأن يتعلم كيف يحكم عقله ويتأمل واقعه ويستمع لغيره، وبعدها عليه أن يتخذ قراره وفقاً للمنطق وليس للأهواء.
لا جدال أننا سنظل في هذه الدائرة مُحكمة الإغلاق ضيقة الأفق، ما بقي السيساوية يتزايدون وما بقي العقلاء ينقرضون.. وأقول لمن تراوده أحلام التغيير وتداعب رأسه هواجس المستقبل وملامحه: ارح نفسك تماماً من مشقة التفكير، واعلم مسبقاً أن السيسي باق فوق الكرسي والدولة إلا أن يقضي الله أمراً كان مفعولا.. وإلي حين ستظل رؤيته هي الثاقبة وحكمته هي الخالدة ودهاءه يفوق بمراحل المعدلات العالمية للذكاء.