للصبر حدود.. فتعقلوا قليلا

ربما تبدو مصر من أكثر دول العالم إثارة للدهشة فى واقعها السياسى والاقتصادى والاجتماع، نحن مثلا على خلاف كل دول العالم من أكثر الشعوب حديثا عن الديمقراطية والشراكة السياسية وتداول السلطة وكفالة الحقوق الحريات واحترام الدستور والتنمية الشاملة والمتوازنة، لكننا فى الواقع أقل الناس احتكاما لمقتضيات الديمقراطية وحقوق الإنسان فى كل الساحات والمساحات، ومن أهم تلك الساحات التى يفترض تبلغنا حياة حقيقية تليق بشعب صاحب حضارة عريقة ضاربة فى أعماق التاريخ ساحة التعليم التى يفترض أن تستعيد صياغة ملامح شخصية النهضة المنشودة، التى نعول عليها لتصنع الفرد اللازم لمواجهة كل تلك التحديات التى تواجهنا.

لم يخجل رأس النظام السياسى الحالى من وصف مصر بشبه دولة وهو وصف دقيق، لكن ماذا فعل الرئيس لكي تكون مصر دولة حقيقية واعدة، غير أعمال مصادرة الأراضى أو الحفر والردم التى تباشرها الهيئة الهندسية، التى تبدو شبه حكومة فى ظل الحكومة التى تبدو كخيال مآتة، رغم أن الدستور يعطيها الحق والمشروعية أن تكون حكومة حقيقية بصلاحيات كاملة.

فى كل المهازل التى نعيشها والتى يجمعها غياب العقل والتخطيط والإغراق فى الشعارات والمقولات الجاهزة المعلبة، التى حفظناها من طول تكرارها فى كل نشرات الأخبار عبر أكثر من أربعة عقود وتحديدا منذ غابت بوصلة الدولة المصرية بوصول السادات للحكم وإغراق مصر فى المشروع الصهيو أمريكى، وإنهاكها عبر نخب حكم فاسدة تنهى أى ملامح لنهوض فى أى ساحة أو مساحة.

لا ينكر عاقل أن التعليم هو قاطرة النهضة الحقيقية التى تستطيع أن تؤمل فيها أى أمة واعدة، وربما تضمن كلام وزير التعليم الحالى طارق شوقى لقناة تلفزيونية مصرية طموحات وآمال عريضة حول خطط تطوير هذا القطاع الهام والحساس، من قبيل الحديث عن تحويل معتقدات الطلية وأولياء الأمور من تعليم الطالب كيفية اجتياز الامتحانات وإحراز الدرجات المرتفعة إلى كيفية تحصيل العلم وتأمين أفضل قدر من المعارف اللازمة لتعليم حقيقى تنتج لنا باحث وطالب علم حقيقي، وهو أمر لو تعلمون عظيم.

السؤال الأهم هل واقعنا يرحب بالعلم والعلماء لكي نتوسع فى إنتاجهم؟ خصوصا وأن كل شخص يتلقى تعليما جيدا ويحصل على تأهيل مناسب يمكنه من أن يكون رقما فى مجاله يشهد له العالم تتنكر له مصر ومؤسساتها لتتلقفه دول أخرى تدرك قيمته وتعرف كيف ستستفيد منه جيدا؟
هل نرى أفضل العناصر فى إدارة مؤسساتنا؟ هل يخضع الاختيار فيها لمعايير العلم والكفاءة أم معايير الولاء والثقة؟

يسبق الحديث عن إصلاح التعليم إصلاح المنظومة القيمية الحاكمة لهذا المجتمع، وفى القلب منها الصدق والوفاء والأمانة والخوف من الله وحسابه واحترام القانون والدستور والعلم، وأن تجسد النخبة الحاكمة هذه المعانى لكي تتسرب إلى واقع كل المؤسسات فتصبح دينا للناس وطريقا هاديا.

إصلاح التعليم لا يمر عبر رفع مصروفات التعليم إلى عشرة آلاف أو عشرون ألفا كما يريد الوزير أن يفعل،ف ى اختبار جديد لصبر الناس ببالونة تمر إلى جانب بالونات رفع الدعم بشكل كامل لتعرية المواطن المصرى من بقية ملابسه أو قل أسماله البالية.

التعليم نقطة البدء والمنتهى فيه إصلاح أحوال المعلم بضخ أموال إضافية حسب ما يفرض الدستور فى تأهيل المعلم ورفع كفائته وكفالة حياة كريمة له تمكنه من العودة لقيم المعلم ووظيفته، أما الحديث عن رفع مصروفات التعليم لكى تصبح بعشرات الآلاف لتنضم الدولة إلى بورصة التعليم كما التحقت ببورصة الأراضى والشقق لتشعل السوق كتاجر يدخل لكل ساحة ليس بهدف تنظيمها أو ضبط إيقاعها بل بهدف إشعالها والتربح منها ولو على حساب المواطن.
هل تحولت الدولة إلى تاجر يترجم كل مشكلة إلى رقم هو الذى سيحول مصر إلى دولة وليس شبه دولة؟!

أدرك جيدا ضحالة معارف النخبة الحاكمة سياسيا وتاريخيا، لكن ربما لو تلفتوا حولهم ربما يسعفهم الواقع بحلول أخرى، غير تلك الجرائم التى يرتكبونها فى حق هذا الوطن الذى تكسرت فيه النصال على النصال فوق المواطن، بحيث لم يعد قادرا على أن يتأوه حتى، والنظام لفرط السخرية يظنه راضيا مرضيا مؤيدا، ووالله الأمر ليس كذلك، هو فقط يشفق على البلد من غضب لن يدع حجرا على حجر وهو لازال متمسكا بسقف يحميه قيظ الصيف وبرد الشتاء، هو لايخشى عصا الأمن كما يظن النظام فهذه العصا طحنت عظامه غلاء وقهرا وفقرا لكنه قد يهدم هذا السقف بيديه إذا وجد أن قدرته على التكيف انهارت تماما، وأن كل التضحيات التى يقدمها من أجل بلده تغرى النظام بطلب المزيد دون رحمة أو تعقل صبر المصريين له حدود فتعقلوا قليلا.